لسنا في هذا المقام بصدد تقويم منهج شخص بعينه، وإنما نهدف إلى بيان أن ثمة توجهاً ظهر في وقت مبكر أيضاً لم يُعن كثيراً بالسياق، وربما أهمله، فتسرب الخلل إلى التفسير من هذا الوجه، ولن نعدم أمثلة لهذا من تفسير التابعين ومن بعدهم، لكنها لم تكن تؤلف ظاهرة.
يحسن التنبيه - احترازاً - إلى أن تفسير الصحابة - والذي عُني بتفسير المفردة القرآنية كما أسلفنا - سلم من هذا الخلل؛ بسبب توافر مجموعة من الصفات كان يفتقر إليها من جاء بعدهم، وهي أنهم تتلمذوا على الرسول صلي الله عليه وسلم، وعايشوا الجاهلية، وعاصروا تنزيل القرآن، وكانوا عربا خلصاً، فكانوا أعرف الناس بمقاصد القرآن وسياقه العام، وكان تفسيرهم على أية حال قليلاً.
كان هذا بخلاف طائفة ممن جاء بعدهم؛ فإن هؤلاء - إضافة إلى ما تقدم - كانوا يرغبون في تجميع الأقوال، وكانوا حريصين على تكثير المعاني، فأدى هذا إلى عدم الحرص على تجاوز معاني المفردات إلى ما هو أبعد من ذلك، كتتبع السياق.
يُلحظ شيء مما ذكرنا عند أبي عبيدة وابن قتيبة والأخفش من المتقدمين، ومن المتأخرين نسبياً: البيضاوي والخازن وابن الجوزي، وهي أحكام لا تخلو من تجوُّز؛ لأننا لا ندعي أنها صادرة عن تتبع واستقراء، وإنما هي ملحوظات تتابعت من مداومة النظر في كتبهم، وقد يشهد لها ما سيأتي من أمثلة في ثنايا هذا البحث، يرى الحذاق من العلماء أن في هذا المسلك قصوراً؛ لأن بعض أصحابه"راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام" [15، جـ 1، ص 67] ، وللشاطبي كلام قريب من هذا [18، جـ 3، ص 853] ، ومن قبل الإمام الطبري الذي عُني بالسياق تأصيلاً وتطبيقاً كما أسلفنا، ونعى على من تجاهله [20، جـ 12، ص 234] ، وتبعه في ذلك كثيرون؛ كابن عطية [25، جـ 10، ص 20] والزمخشري [26، جـ 3، ص 118] .