الصفحة 16 من 42

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(269)}

وَاعْلَم أَنه كَمَا لَا يُغني ضوء النَّهَار الْأَعْمَى كَذَلِك لَا يضيء بِنور الْعلم إِلَّا أهل التقى

وكما أَن الْمَيِّت لَا يَنْفَعهُ الدَّوَاء كَذَلِك لَا يُفِيد الْأَدَب فِي أهل الدَّعْوَى

وكما لَا ينْبت الوابل الصَّفَا كَذَلِك لَا تثمر الْحِكْمَة بقلب محب الدُّنْيَا وَمن ألف هَوَاهُ قل أدبه وَمن خَالف دلَالَة علمه كثر جَهله وَمن لم يَنْفَعهُ دواءه كَيفَ يداوي غَيره؟!!

وَاعْلَم أَن أروح النَّاس أبدانا أهل الزّهْد فِي الدُّنْيَا

وأتعب النَّاس قلوبا وَأَكْثَرهم شغلا أهل الاهتمام بالدنيا

وأعون الْأَخْلَاق على الزّهْد قصر الأمل وَأقرب حالات أهل الْمعرفَة ذكر الْقيام لله عز وَجل قَالَ الله عز وَجل {إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا}

وَاعْلَم أَنه لَا طَرِيق أقرب من الصدْق وَلَا دَلِيل أنجح من الْعلم وَلَا زَاد أبلغ من التَّقْوَى وَمَا رَأَيْت أنفى للوسواس من ترك الفضول وَلَا أنور للقلب من سَلامَة الصَّدْر

وَوجدت كَرَامَة الْمُؤمن تقواه وحلمه صبره وعقله تجمله ومودته تجاوزه وعفوه وشرفه

تواضعه ورفقه.

وَاعْلَم أَن محبَّة الْغنى مَعَ اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْفقر تسخط ومحبة الْفقر مَعَ اخْتِيَار الله لعَبْدِهِ الْغنى جور وكل ذَلِك هرب من الشُّكْر لقلَّة الْمعرفَة وتضييع للأوقات من قصر الْعلم

وَذَلِكَ أَن إيمان الْغَنِيّ لَا يصلحه الْفقر إِيمَان الْفَقِير لَا يصلحه الْغنى كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى يَقُول (إِن من عبَادي من لَا يصلح إيمَانه إِلَّا الْفقر وَلَو أغنيته لأفسده ذَلِك وَإِن من عبَادي من لَا يصلح إيمَانه إِلَّا الْغنى وَلَو أفقرته لأفسده ذَلِك)

وَكَذَلِكَ فِي الصِّحَّة والسقم فَمن عرف الله لم يتهمه وَمن فهم عَن الله رَضِي بِقَضَائِهِ

وَلَو لم يكن لأهل الْعلم إِلَّا هَذِه الْآيَة لكفتهم {وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت