وأما كرامات الأولياء فجائز عقلا ووارد سمعا ومن أعظم كرامات اللّه تعالى على عباده تيسير أسباب الخير لهم وتعسير أسباب الشر عليهم وحيثما كان التيسير أشد وإلى الخير أقرب كانت الكرامة أوفر وما ينقل عن بعضهم من خوارق العادات وصح النقل وجب التصديق، ولا يجوز الإنكار عليه أليس قد ورد في القرآن قصة عرش بلقيس وقول ذلك الولي {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل: 40] ، أو لم تكن قصة أم موسى ومريم أم عيسى عليه السلام وما ظهر لهما من الخوارق من إلقاء موسى في اليم كرامة لها ورزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء وظهور النخلة في الصحراء من أعظم الكرامات لمريم عليها السلام وما ينقل عن الصالحين هذه الأمة أكثر من أن يحصى وهي بآحادها إن لم تفدنا علما بوقوعها فهي بمجموعها أفادتنا علما قطعيا ويقينا صادقا بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيدي أصحاب الكرامات.
واعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي بعينها معجزة لنبي إذ كان الولي في معاملاته تابعا لذلك النبي، وكل ما يظهر في حقه فهو دليل على صدق أستاذه وصاحب شريعته فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزات بل هي مؤيدة لها دالة عليها راجعة عنها وعائدة إليها وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: «كائن في أمتي ما كان في الزمان الأول حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» وقال عليه السلام: «إن في أمتي مثل إبراهيم الخليل ومن مثله مثل موسى»
وفي الآية {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] ، إشارة إلى هذا المعنى ولما كانت شريعته أكمل الشرائع ودينه أكمل الأديان كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وجب أن يكون المتحلي بهذا الدين والشريعة أشرف وأكرم ممن تحلى بشريعة أخرى إذ الشرائع والأديان جلابيب النفوس والأرواح وبقدر التحلي بها والثبات فيها والإقبال عليها ينال الشرف والكرامة قال اللّه تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ} [الأنفال: 29] ،
وليت شعري أي كرامة تزيد على نيل الفرقان بين الحق والباطل وسبيل النجاة والهلاك
وفي الخبر «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا»
وأي كرامة أجل من حصول المحبة بثمراتها المذكورة.