فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 15

{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106)}

(فصل: في الكلام في النسخ وإن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها، وهي أتمها وأكملها وأن محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم خاتم الأنبياء)

قال بعض العلماء النسخ رفع الحكم بعد ثبوته وقال بعضهم النسخ تبيين انتهاء مدة الحكم وكأنه تخصيص بزمان وهو بظاهره كان شاملا لكل زمان وبالنسخ يتبين أنه لم يشمل الأوقات كلها.

وقالت اليهود النسخ رفع تكليف بعد توجهه على العباد، وذلك لا يجوز في حق الباري تعالى فإنه يؤدي ذلك إلى البداء والندم على ما قال ولو أن واحدا منا أمر غلامه على كل حال أن يفعل فعلا ثم منعه من ذلك أما في الحال أو في ثاني الحال دل ذلك على أنه بدا له ذلك أي ظهر له أمر بخلاف ما تصور في الأول أو ندم بالقلب على تكليفه الأول وهاتان القضيتان مستحيلتان في حق من لا تخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء ومن له الملك والتصرف في عباده بما يشاء.

يقال لهم المستحيل على نوعين مستحيل لعينه كاجتماع السواد والبياض في محل واحد في حالة واحدة ولا شك أن رفع التكليف وحكم التكليف بعد ثبوته ليس من ذلك القبيل ومستحيل لما يفضي إلى المحال كخلاف المعلوم ولا محال هاهنا يفضي إليه النسخ إلا البداء والندم والبداء يطلق على معنيين أحدهما الظهور يقال بدا له الشيء إذا ظهر {وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] ، وهذا لا يجوز على اللّه تعالى فإن المعلومات كلها ظاهرة لديه مكشوفة عنده والنسخ لا يؤدي إلى ذلك لأنه كان عالما بذلك التكليف عند توجهه على العبد وكان عالما برفعه عند النسخ فلم يظهر له أمر متجدد لم يعلمه ولا رفع الحكم لأنه ظهر له شيء آخر.

ويطلق البداء على الندم على ما كان والندم هو أن يقول قولا أو يفعل فعلا لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا وفعلا وهذا أيضا لا يجوز في وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض وإذا فعل بخلاف ذلك لم يفعله لمصلحة وغرض آخر بل أقواله وأفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور في حقه الندم ولا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل عقلا ثم وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا.

فنقول لا شك أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب وجماعة من الأنبياء والأسباط عليهم السلام أهل كان جميع ما ورد به موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا ومنها ما لم يكن مشروعا فإن كان كله مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع الماضية وإن ورد بحكم واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول مرفوع بذلك الحكم أو قد انتهى مدة الحكم الأول وتجدد هذا الحكم فثبت النسخ وإن أنكروا ذلك فنكاح الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل إنه استمر ذلك الحكم إلى زمن نوح مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل والذرية وتوبة عبدة العجل بقتل أنفسهم كان حكما لم يكن قبل ذلك وصار مرفوعا عن غيرهم في التوراة والختان في اليوم السابع من الولادة حكم لم يكن لنوح وغيره بل ترك الختان كان مشروعا لهم وأمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر وأطلق له أنه لا يختن إسماعيل في طفولته حتى يصير مراهقا وحظر على موسى ترك الختان فوق سبعة أيام والتمسك بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه السلام ثم صار واجبا على موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما كان مباحا وكذلك الصيد في يوم السبت وجميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه السلام فصار محظورا على موسى والمواعدة من أدل الدلائل على النسخ {وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] ، وكذلك تلك التكاليف الشديدة على بني إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم.

والسر في ذلك كله أن الحظر والوجوب أحكام لا ترجع إلى الأفعال حتى تكون صفات لها ولا الأفعال كانت على صفات من الحسن والقبح ورد الشرع بتقريرها ولا قول الشارع أكسبها صفات لا تقبل الرفع والوضع بل الأحكام راجعة إلى أقوال الشارع وتوصف الأفعال بها قولا لا فعلا شرعا لا عقلا فيجوز أن يرتفع بعضها

ببعض وذلك كالحرمة في الأجنبيات ترتفع بالعقد الصحيح والحل في المنكوحة يرتفع بالطلاق المبين وكأحكام المقيم تخالف أحكام المسافر وأحكام الرجال في بعض الأحوال تخالف أحكام ربات الحجال وإذا كانت الأحكام قابلة للرفع والوضع والتغيير والتبديل، فما المستحيل في وضع أحكام على أقوام في زمن ثم رفعها عن أقوام في زمن آخر ثم يقابل التكليف بالأفعال وتقابل التغييرات العقلية من الموت والحياة والصحة والسقم والراحة والشدة والنعمة والبلية وإنبات الزرع وإفساده وإنشاء الحيوان وإهلاكه وخلق الإنسان وإفنائه تارة إلى مدة وتارة في الحال من غير مهلة تصريفه لا بدّ أنهم حيث يشاء كما يشاء {لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] ، بالتغييرات التكليفية من الإباحة والحظر والإيجاب والإطلاق والمشي تارة إلى موضع والوقوف تارة في موضع والقيام تارة والقعود أخرى تصريفا لعقولهم ونفوسهم كما يشاء حيث يشاء {لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} ، {فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ ءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83] ، له الملك والخلق والأمر والفعل والقول والتصريف والتكليف أليس الخلق الأول في مادة الإنسان يتصرف في تربيته من سلالة إلى نطفة إلى عقلة إلى مضغة إلى عظام إلى كسوة العظام لحما إلى خلق آخر

{فتبارك اللّه أحسن الخالقين} أنشأ من طور إلى طور أبدا من كور إلى كور وكل مرتبة ناسخة للصورة الأولى لابسة صورة أخرى ثم خالفت تلك الصورة إلى أخرى كذلك الأمر الأول في كسوة صورة لنوع الإنسان يتصرف بتربيتها من شريعة إلى شريعة وكل شريعة ناسخة صورة ولابسة أخرى حتى ينتهي إلى كمال الشرائع كلها وتختم بخاتم النبيين كلهم وليس بعد الكمال والاستقامة إلا المعاد والقيامة «بعثت أنا والساعة كهاتين» فيتم الخلق هنالك ويتم الأمر هاهنا وتختم الخلقة بكمال حال النطفة إنسانا تاما وتختم الشريعة بكمال حال الشرع الأول دينا تاما كاملا {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت