فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 118

التي كانت في لسانه، والحُبْسةَ التي كانت في بيانه: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي} [سورة طه: 72] ،

وأنبأنا اللّهُ تبارك وتعالى عن تعلُّق فرعونَ بكلِّ سببٍ، واستراحته إلى كل شَغَب، ونبَّهنا بذلك على مذهبِ كلِّ جاحدٍ معاند، وكلِّ مُحْتالٍ مكايِد، حينَ خبَّرنا بقوله: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} [سورة الزخرف: 25] ،

وقال موسى عليه السلام: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} [سورة القصص:43] ، وقال: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} [سورة الشعراء: 31] ، رغبةً منه في غاية الإفصاح بالحجّة، والمبالغةِ في وضوح الدَّلالة؛ لتكون الأعناقُ إليه أَمْيَلَ، والعقولُ عنه أفهمَ، والنفوسُ إليه أسرع، وإن كان قد يأتي من وَرَاءِ الحاجة، ويَبْلغ أفهامَهم على بعض المشقّة، وللَّهِ عزّ وجلّ أن يمتحِنَ عبادَه بما شاء من التخفيف والتّثقيل، ويبلُوَ أخبارَهم كيف أحَبَّ من المحبوب والمكروه، ولكلِّ زمانٍ ضرب من المصلحة ونوعٌ من المِحْنة، وشكلٌ من العبادة، ومن الدَّليل على أنّ اللّه تعالى حَلّ تلك العقدة، وأطلق ذلك التعقيد والحُبْسة، قولُه: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [سورة طه: 52 - 23] إلى قوله: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى} [سورة طه: 63] ، فلم تقع الاستجابة على شيءٍ من دعائه دون شيء، لعُموم الخبر، وسنقُول في شأنِ موسى عليه السلام ومسألتِه، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه، وذكر اللّهُ تبارك وتعالى جميلَ بلائه في تعليم البيان، وعظيمَ نِعمته في تقويم اللسان، فقال: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ} [سورة الرحمن: 1 - 4] ، وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} ومدح القرآنَ بالبيان والإفصاح، وبِحسن التَّفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسماه فرقاناً كما سمّاه قرآناً، وقال: {عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [سورة النحل:301] ، وقال: {وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [سورة الرعد: 73] ، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل: 98] وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [سورة الإسراء: 21] ، وذكر اللّه عزّ وجلّ لنبيّه عليه السلام حالَ قريش في بلاغةِ المنطق، ورجاحة الأحلامِ، وصحّة العقول، وذكر العربَ وما فيها من الدَّهاء والنَّكْراء والمَكْر، ومن بلاغة الألسنة، واللّدَدِ عند الخُصومة، فقال تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [سورة الأحزاب:91، وقال: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [سورة مريم: 79] ، وقال: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [سورة البقرة:402، وقال: {وَقَالُواْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [سورة الزخرف: 85] ، ثم ذكَر خلابةَ ألسنتهم، واستمالتَهم الأسماعَ بِحُسنِ منطقهم، فقال: {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [سورة المنافقون: 4، ثمَّ قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} مع قوله: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}

وقال الشاعر في قوم يُحسنون في القول ويسيئون في العمل.

كُسالى إذا لاقيتَهم غيرَ منطقٍ ... يُلَهَّى بِه المحروبُ وهو عناءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت