(لطيفة)
قال أبو عباد كاتب ابنِ أبي خالد: ما جلس أحدٌ قط بين يديَّ إلاَّ تمثّل لي أني سأجلس بين يديه، قال اللّه عزّ وجلّ: {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} ليس يريد بلاغةَ اللسان، وإنْ كان اللسان لا يبلغُ من القلوب حيثُ يريد إلا بالبلاغة،
(حد البلاغة)
الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلّى الله على محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة.
خبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، وحدثني محمد بن أبان- ولا أدري كاتب من كان- قالا:
قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل.
وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة.
وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.
وقال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة.
ثم قال: ومن البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر.
قال: وقال مرة: جماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض، وبما شرد عليك من اللفظ أو تعذر.
ثم قال: وزين ذلك كله، وبهاؤه وحلاوته وسناؤه، أن تكون الشمائل موزونة، والألفاظ معدلة، واللهجة نقية. فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت، فقد تم كل التمام، وكمل كل الكمال.