فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 118

والسلامة فوق الغنيمة، لأن السلامة أصل والغنيمة فرع.

وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «إن الله يبغض البليغ الذي يتخلّل بلسانه، تخلل الباقرة بلسانها» .

وقيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب» .

قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهل البيان وحب التبيّن: إنما عاب النبي صلّى الله عليه وآله المتشادقين والثرثارين والذي يتخلّل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، والأعرابيّ المتشادق، وهو الذي يصنع بفكيه وبشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب، والذم له ألزم.

وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل، وإنما حثوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، وإلا فإن السكوت عن قول الحقّ في معنى النطق بالباطل. ولعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول. وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت. وقد قال الله عز وجل: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}

فجعل سمعه وكذبه سواء.

وقال الشاعر:

بني عدي ألا يا انهوا سفيهكم ... إن السفيه إذا لم ينه مأمور

وقال آخر:

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجّ ويستشري

وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يجاوز رأس

صاحبه، ونفع الكلام يعم ويخص، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام ارسل الله أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول الصمت يفسد اللسان.

وقال بكر بن عبد الله المزني: «طول الصمت حبسة» كما قال عمر بن الخطاب رحمه الله: «ترك الحركة عقلة» .

وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه، وفسد حسّه.

وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز، ويعلّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجرم.

واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلظ.

وقال عباية الجعفيّ: «لولا الدربة وسوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضا» .

وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرّنها على الاعتمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك لمنع. ولم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله للنابغة الجعدي: «لا يفضض الله فاك» ؟ ولم قال لكعب بن مالك: «ما نسي الله لك مقالك ذلك» ؟ ولم قال لهيذان بن شيخ: «ربّ خطيب من عبس» ؟ ولم قال لحسان: «هيّج الغطاريف على بني عبد مناف، والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام» ؟

وما نشك أنه عليه السلام قد نهى عن المراء، وعن التزيد والتكلف، وعن كل ما ضارع الرياء والسمعة، والنفج والبذخ، وعن التهاتر والتشاعب، وعن المماتنة والمغالبة. فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه.

وأبين الكلام كلام الله، وهو الذي مدح التبيين وأهل التفصيل. وفي هذا كفاية إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت