{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} [سورة مريم:55] ،
يا ابن آدم: كيف تكون مسلماً ولم يَسلَمْ منك جارُك، وكيف تكون مؤمناً ولم يأمَنْك الناس، وكان يقول: لا يستحقُّ أحدٌ حقيقةَ الإيمان حتّى لا يعيبَ النّاس بعيب هو فيه، ولا يأمر بإصلاحِ عيوبهم حتَّى يبدأَ بإصلاح ذلك من نفسه؛ فإنّه إذا فعل ذلك لم يُصلحْ عيباً إلاّ وجد في نفسه عيباً آخرَ ينبغي له أن يُصلِحَه، فإذا فَعَل ذلك شُغِل بخاصَّةِ نفسِه عن عيب غيره، وإنّك ناظرٌ إلى عملك يُوزَن خيرُه وشرُّه، فلا تحقِرَنَّ شيئاً من الخير وإن صَغُرَ؛ فإنّك إذا رأيتَه سرّك مكانُه، ولا تحقِرنَّ شيئاً من الشّرّ وإن صغُر؛ فإنّك إذا رأيتَه ساءك مكانُه، وكان يقول: رحم اللَّه امرأً كَسَب طيِّباً وأنفَق قَصْداً، وقدّمَ فضلاً، وجِّهوا هذه الفضولَ حيث وجَّهها اللَّه، وضَعوها حيثُ أمر اللَّه؛ فإنّ مَنْ كان قبلكم كانوا يأخذون من الدُّنيا بَلاغَهم ويُؤْثرون بالفَضْل، ألاَ إنّ هذا الموت قد أضرَّ بالدنيا فَفَضَحها، فلا واللّه ما وَجَد ذُو لبٍّ فيها فَرَحاً، فإيّاكم وهذه السُّبُلَ المتفرِّقة، التي جِماعها الضلالة وميعادُها النّار، أدركْتُ مِن صدر هذه الأمّة قوماً كانوا إذا أجَنَّهُم اللّيلُ فقيامٌ على أطرافهم، يفترشون وجُوهَهم، تجري دموعُهم على خدودهم، يناجُون مولاهم في فِكاك رقابِهم، إذا عملوا الحسنة سرَّتْهم وسألوا اللّه أن يتقبَّلها منهم، وإذا عمِلوا سيّئةً ساءتهم وسألوا اللَّه أن يغفرَها لهم، يا ابن آدم، إنْ كان لا يُغْنيك ما يكفيك فليس ها هنا شيءٌ يُغنيك، وإنْ كان يُغنيك ما يكفيك فالقليلُ من الدُّنيا يغنيك، يا ابن آدم، لا تعمَلْ شيئاً من الحقّ رياء، ولا تتركْه حياء، وكان يقول: إنّ العلماء كانوا قد استغنَوْا بعلمهم من أهل الدنيا، وكانوا يقضُون بعلمهم على أهل الدُّنيا ما لا يقضِي أهلُ الدُّنيا بدنياهم فيها، وكان أهلُ الدُّنيا يبذُلون دنياهم لأهل العِلم رغبةً في علمهم، فأصبح أهلُ العلم اليوم يبذلون علمَهم لأهل الدُّنيا رغبةً في دنياهم، فرَغِب أهل الدنيا بدنياهم عنهم، وزهِدوا في علمهم لِمَا رأوْا من سُوء موضعه عندهم، وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري عنِّي غناه ويُبدي لي فقرَه، ويُغلق دوني بابَه ويمنعُني ما عندَه، وأَدَع مَن يفتح لي بابَه ويُبدي لي غناه ويدْعُوني إلى ما عنده، وكان يقول: يا ابن آدم، لا غنى بك عن نصيبِك من الدُّنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، مؤمن مُتَّهم، وعِلجٌ أغتمُ، وأعرابيٌّ لا فِقْهَِ له، ومنافقٌ مكذِّب، ودنياويُّ مُترفٌ، نعق بهم ناعقٌ فاتَّبعوه، فرَاشُ نارٍ وذِبّان طمَعٍ، والذي نفسُ الحسن بيدِه ما أصبحَ في هذه القريةِ مؤمنٌ إلاّ وقد أصبح مهموماً حزيناً، وليس لمؤمنٍ راحةٌ دونَ لقاءِ اللّهِ، والناسُ ما داموا في عافيةٍ مستورون، فإذا نزَلَ بهم بلاءٌ صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، والمنافقُ إلى نِفاقه، أيْ قَوْم، إنّ نعمةَ اللَّه عليكم أفضلُ مِن أعمالكم، فسارِعوا إلى ربِّكم، فإنّ ليس لمؤمنٍ راحةٌ دونَ الجنة، ولا يزال العبدُ بخير ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبةُ من هَمِّه، وقال الحَسن في يوم فِطر، وقد رأى الناسَ وهيئاتِهم: إنّ اللَّه تبارك وتعالى جعل رمضانَ مِضماراً لخلْقِه يستبِقُون فيه بطاعته إلى مَرضاته، فسبَقَ أقوامٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجَبُ من الضّاحك اللاعب في اليوم الذي يَفوزُ فيه المحسِنون، ويَخْسَرُ فيه المُبْطِلون، أمَا واللَّه أنْ لو كُشِف الغطاءُ لشُغِل مُحْسنٌ بإحسانه، ومسيءٌ بإساءته، عن ترجيلِ شَعْرَ، وتجديد ثَوب، وحَدَّث عن عمر بنِ الخطاب رحمه اللَّه أنّه قال: الناس طالِبان: فطالبٌ يطلب الدُّنيا فارفضوها في نَحْره، فإنّه ربَّما أدرك الذي طلب منها فهلَك بما أصاب منها، وربَّما فاته الذي طلب منها فهلك بما فاته منها، وطالبٌ يطلب الآخرة، فإذا رأيتم طالب الآخرة فنافِسُوه.