فهرس الكتاب
الوجه الثالث: أنها قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى. قال الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة: ? وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ? ( الأحزاب: 5 ) . وقال تعالى: ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ? ( البقرة: 286 ) . وصحّ في تفسيرها أن الله تعالى قال قد فعلت في حديثين صحيحين، أحدهما عن إبن عباس والآخر عن أبي هريرة. وقال تعالى: ? وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ? (آل عمران:135) فقيد ذمهم بعلمهم.
وقال في قتل المؤمن مع التغليظ العظيم فيه: ? وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ? (النساء:93) ففيه الوعيد بالتعمد. وقال في الصيد ? وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ? ( المائدة: 95 ) .
وجاءت الأحاديث الكثيرة بهذا المعنى . . ومن أوضحها حجة حديث الذي أوصى لإسرافه أن يحرق ثم يذرى في يوم شديد الرياح نصفه في البر ونصفه في البحر حتى لا يقدر الله عليه ثم يعذبه ثم أدركته الرحمة لخوفه، وهو حديث متفق على صحته . . وهذا أرجى حديث لأهل التأويل.
الوجه الرابع: أن مؤاخذة المخطيء لا تخلو إما أن تكون من تكليف ما لا يطاق، أو من أعظم المشاق. فإن كانت من الأول فهو لا يجوز على الله تعالى، وإن لم تكن منه كانت من أعظم المشاق وقد نفى الله تعالى ذلك في دينه.