الصفحة 53 من 201

أما أنه قد نفى ذلك في دينه فالنصوص فيه كثيرة، قال الله تعالى: ? مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ? ( المائدة: 6 ) وقال: ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ? ( البقرة: 185 ) وتواتر هذا المعنى في السنة.

وأما أن ذلك من أعظم الحرج والمشاق فلأمرين:

الأمر الأول: أن العاقل المعظم لأمر الله تعالى المؤثر لمرضاته لو خيّر بين أمرين أن يكلف الصبر على القتل عند الإكراه على كلمة الكفر أو الإحتراز من الخطأ بعد تقرير أن الخطأ كفر لا يغفر ويوجب الخلود في النار لاختار الصبر على القتل لأنه يفضي به إلى الجنة؛ وإنما هو صبر ساعة وهو لا يأمن أن يقع في الخطأ الذي يكفر به ولا يغفر له مع عدم العصمة وعدم المسامحة.

الأمر الثاني: أنه لم يتحقق ورود الشرع بعقوبة المخطيء بعد الرغبة في معرفة الصواب وحسن النية في تعرفه وإن لم يبلغ جميع ما يمكن البشر في علم الله تعالى أما مع بلوغه ذلك فلا شك في العفو عنه.

وأما المشاق العظيمة؛ فقد يرد الشرع بها نادرًا في هذه الشريعة تخصيصًا لعموم المسامحة فيما شق حيث تقتضي ذلك الحكمة كما في وجوب الصبر للقصاص في القتل وقطع الأعضاء والرجم في عقوبة الزاني . . ولا برهان قاطع على أن المكفرين من أهل التأويل لا يسمون مخطئين ولا على خروجهم من الأدلة الدالة على العفو عن المخطئين.

الوجه الخامس: أن إخوة يوسف لما قالوا: ? إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ? (يوسف:8) وقالوا: ? تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ? (يوسف:95) لم يكفروا بذلك لما كانوا باقين على شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن يعقوب رسول الله معتقدين مع ذلك صحة نبوته ودينه، وإنما جوزوا عليه مع ذلك الضلال في حب يوسف لأنه عندهم من الضلال في الرأي ومصالح الدنيا، وقد قاربوا الإستهانة وعدم التوقير لولا جلالة بقائهم على الشهادتين وإيمانهم بالله تعالى ورسله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت