الصفحة 55 من 201

الوجه الثامن: إن الخطأ لما كان منقسمًا إلى مغفور قطعًا كالخطأ في الإجتهاديات على الصحيح؛ وغير مغفور قطعًا كالخطأ في نفي البعث والجنة والنار وتسمية الإمام بأسماء الله تعالى إلى غير ذلك؛ ومختلف فيه محتمل للإلحاق بأحد القسمين، نظرنا لأنفسنا في الإقدام على تكفير أهل التأويل من أهل القبلة وفي الوقف عنه عند الإشتباه؛ فوجدنا الوقف عنه حينئذٍ مع تقبيح بدع المبتدعة لا يحتمل أن يكون كفرًا ولا خطأً غير معفو عنه لأنه لا يدل على ذلك برهان قاطع ولا دليل ظاهر، بل الأدلة واضحة في العفو حينئذٍ على تقدير الخطأ كما تقدم بيانه في الوجه الرابع. وأما الإقدام على التكفير فعلى تقدير الخطأ فيه لا نأمن أن يكون كفرًا أو خطًا غير معفو عنه كخطأ الخوارج لورود الأحاديث الصحيحة الكثيرة بذلك وعدم الإجماع على تأويلها . فوجدنا الوقف حينئذٍ أحوط للدين والدار الآخرة حتى لو قدرنا والعياذ بالله تعالى أن الخطأ في كل واحد منهما ذنب غير مغفور لكان الخطأ في الوقف أهون من الخطأ في التكفير ( [69] ) .

الوجه التاسع: أن الوقف عن التكفير عند التعارض والإشتباه أولى وأحوط من طريق أخرى، وذلك أن الخطأ في الوقف على تقديره تقصير في حق من حقوق الغني الحميد العفو الواسع، أسمح الغرماء وأرحم الرحماء وأحكم الحكماء سبحانه وتعالى، والخطأ في التكفير على تقديره من أعظم الجنايات على عباده المسلمين المؤمنين وذلك مضاد لما أوجب الله من حبهم ونصرهم والذب عنهم. وقد روي في ذلك من حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال: ( الدواوين عند الله تعالى ثلاثة: ديوان لا يغفره الله وهو الشرك بالله تعالى، وديوان لا يتركه وهو حقوق المخلوقين، وديوان لا يبالي به وهو ما بينه سبحانه وتعالى وبين عبده ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت