فهرس الكتاب
وإذا نظرنا في دلالة السبر والتقسيم على النحو الذي استدل به المرتضى على بيان جنس الخاطر؛ فسنجد أنها لا تفيد المطلوب ولا تؤكد الحكم بأن جنس الخاطر كلام يفعله الله ــ تعالى ــ داخل سمع المكلف؛ إذ كان جائزا أن يكون الخاطر كتابة. وهذه الدلالة في أصلها لأبي هاشم الجبائي كما حكاها القاضي عبد الجبار ونصرها قُبَالَةَ رأي أبي علي الجبائي الذاهب إلى أن الخاطر ظن أو اعتقاد [1] . وأبو هاشم في دلالته يقطع بفساد كون الخاطر إشارة بنحو ما ذكره المرتضى، ويقطع بفساد كونه كتابة؛ لأنها إنما تفيد بأن تشاهد صورتها، فتعرف بها حال الكلام التي هي أمارة له .. قال: «ومتى حدثت لا يصح ذلك فيها، ولم يعتد بها، وكان وجودها كعدمها. وإن كان ما يوجب صحة كون الخاطر إشارة وكتابة يوجب صحة كونه كلاما؛ لأنه في باب الفائدة أبلغ منهما، ولأن الكتابة فرع عليه؛ فلا تفيد إلا بتقدمه وتقدم المواضعة عليه» [2] .
(1) - راجع القاضي: المغني ـ 12/ 401: 413. وقد حسب الشيخ الرئيس الدكتور إبراهيم مدكور ـ رحمة الله عليه ـ أن للقاضي رأيا ثالثا غير رأي أبي علي القائل بأن الخاطر ظن واعتقاد، ورأي أبي هاشم القائل بأن الخاطر كلام؛ فذكر ـ رحمه الله ـ أن رأي القاضي في الخاطر أنه «معنى يقوم بالنفس» . (الصفحة رقم: هـ من مقدمة التحقيق) .
ونعم قد صدَّر القاضي كلامه في بيان جنس الخاطر بقوله: «واعلم أن المعتمد في ذلك أنه لا بد من إثبات الخاطر معنى؛ لأنه أمر حادث يَختَصُّ مَن وَرَدَ عليه» (ص 404) ؛ لكنه في هذا الكلام لا يقدم رأيا جديدا، وإنما يقدم دلالة رأي أبي هاشم؛ فهذا الخاطر الذي هو معنى لا يخلو أن يكون من أفعال الجوارح وهي هنا الإشارة والكتابة والكلام، أو من أفعال القلوب وهي هنا الظن والاعتقاد، ثم يشرع في بيان بطلان جميع هذه الأقسام؛ إلا الكلام؛ فيثبت لديه أن الخاطر كلام ..
(2) - عن القاضي: المغني ـ 12/ 404، 405.