الصفحة 104 من 1224

ولئن كان المرتضى لم يكتف بنقل دلالة أبي هاشم، وانتقد قطعه بنفي كون الخاطر كتابة؛ فقد كان الأولى به أن يقدم دلالة جديدة تقوي القول الذي حكم بأنه أصح الأقوال في جنس الخاطر، أو تبين على الأقل ترجحه على غيره. ولا يشفع له هنا أنه لم يقطع بمذهب أبي هاشم، وأنه إنما رأى أنه أصح المذاهب في جنس الخاطر وأولاها؛ إذ يلزمه أن يبين لماذا هو أصحها وأولاها بعد أن جوز كون الخاطر كتابة؟!

وقد صدَّر القاضي حكاية رأي أبي هاشم بأنه قال في سائر كتبه عن الخاطر: «إنه كلام إما أن يفعله الله ــ تعالى ــ أو يأمر بعض الملائكة بفعله، ولا يجوز أن يكون سواه؛ ولذلك أغنى دعاء الداعي وخطابه عنه، ولو كان غير كلام لم ينب منابه. وقال: ولأنه يجري في بابه مجرى تخويف المُخَوِّف من سلوك طريق بأنه لا ماء فيه؛ فيجب أن يكون كلاما» . وذكر القاضي بعد ذلك أن أبا هاشم جعل هذين الوجهين كالدلالة على أن الواجب [ضد قول أبي علي] أن الخاطر كلام [1] . وأحسب أن المرتضى لم يذكر هذين الوجهين لقرب دفع دلالتهما على إيجاب كون الخاطر كلاما؛ إذ ينوبُ عن الخاطر أيضا عند القوم تَنَبُّهُ المُكَلَّفِ بالتفكير من قبل نفسه، وإيجاب كونه كلاما لجريانه مجرى تخويف المُخَوِّف من سلوك طريق لا ماء فيه ــ تحَكُّمٌ محض.

ولقد تابع الطوسي شيخه أيضا في نقل الدلالة في «تمهيد الأصول» على ذلك الوجه، ولعله كان يكفيهما أن يذكرا ما تقدم في «شرح الجُمَل» ؛ حيث أشار المرتضى نفسه إلى أن الكتابة لا تعم جميع المكلفين؛ فمنهم من لا يعرفها مع سلامة حواسه وكمال عقله، وليس كذلك الكلام.

(1) - السابق ـ ص 402، 403.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت