الصفحة 106 من 1224

ويذكر المرتضى في بيان ذلك أن المكلف يجد في عقله قبح أفعال له فيها نفع عاجل، ووجوب أفعال عليه فيها مشقة عاجلة، ويعلم استحقاق الذمِّ على القبيح، وأنَّ الذمَّ ممَّا يَغُمُّ ويَضُرُّ؛ فلا يأمن ــ كما استحق الذمَّ على فعل القبيح وإن انتفع به عاجلا ــ أن يستحق عليه العقاب والآلام؛ إذ من المعلوم أن أحد الاستحقاقين أمارة لاستحقاق الآخر. ومتى لم يعرف الله ــ تعالى ــ بصفاته، وأنه قادر على مجازاته على القبيح بالعقاب؛ كان إلى فعل القبيح أقرب ومن تركه أبعد. وإذا عرفه كان من فعل القبيح أبعد وإلى تركه أقرب .. قال المرتضى: «وهذا أيضا مما يجده في عقله ممهدا؛ فيجب حينئذ عليه النظر، مع التنبيه على كل ما ذكرناه» [1] .

(1) - المرتضى: الذخيرة ـ ص 176، 177. وراجع الطوسي: التمهيد ـ ص 201، 202. والمرتضى اختصر بذلك ما ذكره القاضي عبد الجبار في بيان ما يجب من المعارف؛ حيث ذكر أن الأصل في هذا الباب أن المعارف إنما تجب من حيث كانت ألطافا، واللطف منها هو العلم بأنه يستحق على فعل الطاعة ثوابا، وعلى فعل القبيح عقابا؛ فهذا هو الذي يكون عنده أقرب إلى فعل الواجب، والامتناع عن فعل القبيح؛ رجاء النفع ومخافة المضرة .. قال القاضي: «لأنه قد تقرر في العقول أن ما يُستَحَقُّ به النفعُ يكون أقربَ إلى فعله، وما يُخَافُ في فعله المضرة يكون أبعد من فعله. والذي يختص من المعارف بكونه لطفا هو هذان العلمان دون غيرهما» .. المغني ـ 12/ 415.

وذكر القاضي بعد ذلك أن هذين العلمين متفرعان على علوم متقدمة لولاها لم يصح حصولهما؛ فالعلم بالثواب والعقاب وكيفية استحقاقهما وفعل الله ـ تعالى ـ لهما، لا يتم إلا بعد معرفته ـ تعالى ـ بتوحيده وعدله وأنه حكيم لا يفعل القبيح، ولا يجوز أن يكلف الواجب مع ما فيه من المشقة إلا وفي تركه مضرة .. قال القاضي: «فلا بد من وجوب هذه المعارف، من حيث لا يتم وجود العلمين اللذين ثبت أنهما لطف إلا بوجودهما وحصولهما؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به من أفعال العباد يجب كوجوبه ...، فإذا صح ذلك وأراد الله أن يكلف العبد العقليات، فلا بد إذا علم أنه عند هذه المعرفة أبعد من القبيح وأقرب إلى فعل الطاعة أن يكلفه فعلها، ولا بد إذا علم أن وجودها لا يصح إلا مع المعارف التي ذكرناها أن يكلفه فعلها أجمع. فلهذا قلنا بوجوب النظر والمعارف في جميع ذلك» .. ص 416.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت