فهرس الكتاب
والأمر الرابع الذي يجب أن يتضمنه الخاطر هو ترتيب النظر في الأدلة، والتنبيه على المقدم منها والمؤخر [1] ، وذكر المرتضى أن هذا مما اختلف فيه الجبائيان أبو علي وابنه أبو هاشم، فكان أبو علي يوجبه، وكان أبو هاشم يرى أن المكلف يتنبه إليه من تلقاء نفسه .. قال المرتضى: «والأولى أن يتضمن الخاطر التنبيه على ترتيب النظر في الأدلة؛ لأن ذلك مما يبعد أن يستدركه العاقل بنفسه؛ لا سيما فيمن كمل عقله ولم يخالط الناس ويعرف العادات» [2] .
(1) - وقد أورد القاضي ما يجب أن يتضمنه الخاطر على أنه من شروط حسن ورود الخاطر في فصل عقده بعنوان «الوجوه التي يجب أن يرد الخاطر عليها من قبل الله ـ تعالى ـ وما يتصل بذلك» : المغني ـ 12/ 414: 438. وقد استفتحه بحصر هذه الشروط في أربعة أمور: أولها: أن يفيد الوجه الذي له يحسن إيجاب النظر والمعارف. والثاني: أن يتضمن ذكر وجوب المعرفة التي لأجل وجوبها وجبت سائر المعارف. والثالث: أن يتضمن الوجه الذي له يخاف من ذلك بأن يذكر الأمارات التي تقتضي الخوف. والرابع: أن يتضمن ترتيب النظر على الوجه الذي يلزم المُكَلَّف .. قال القاضي: «فهذه الوجوه لا بد منها ليحسن ورود الخاطر من قبل الحكيم، وما عدا ذلك من الشرائط لا معتبر به» .
(2) - المرتضى: الذخيرة ـ ص 177. وراجع الطوسي: التمهيد ـ ص 202. ولم تقع هذه المقابلة التامة بهذه الصورة بين الشيخين عند القاضي عبد الجبار، الذي بين أن أكثر كلام أبي هاشم على أنه يجب أن ترتب الأدلة التي ينظر فيها؛ لأن من كمل عقله يعلم أن معرفة الصانع إنما تكون بأن ينظر في الأفعال فيعرف كيفية تعلقها بالفاعل، وإذا كان هذا معلوما بالتجربة؛ فورود الخاطر به لا يحتاج إليه .. قال القاضي: «وربما كان في كلامه أنه يحتاج إلى ذكر ذلك ليقف على ما ينظر فيه حالا بعد حال..وهذا هو الأكثر في كلام شيخنا أبي علي ـ رحمه الله ـ وإن كان قد قال في بعض كلامه ما حكيناه أولا عن أبي هاشم ـ رحمه الله. والصحيح أن الخاطر ينبه على الأدلة التي ينظر فيها حالا بعد حال، إن لم تكن المعرفة بها قد تقدمت. ويبعد أن تكون متقدمة فيمن كَمُلَ عقلُه أوَّلا؛ لأن ذلك إنما يعرف بمجالسة العلماء، فيسمع ذلك منهم، ويورد الخاطر منبها على ذلك، أو بإيراد الداعي المخوف» . والقاضي مع ذلك لا يمتنع عنده أن تطول بالعاقل الفكرة في أحوال نفسه إلى أن يعرف كيفية النظر؛ فيستغني حينئذ عن الداعي والخاطر أصلا .. قال: «فأما إذا لم تحصل هذه الصفة للمكلف؛ فما ذكرناه من ورود الخاطر والداعي لا بد منه؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون التكليف بوجوب أشياء لا يعرف المكلف كيف يؤديها؛ فلا بد من أن ترتب له الأدلة التي ينظر فيها حالا بعد حال على ما بينا» . المغني ـ 12/ 434.