فهرس الكتاب
* ثم بين المرتضى أن معارضة هذا الخاطر المفضي إلى وجوب النظر في معرفة الله ــ تعالى ــ تكون على قسمين: أولهما: ما يؤثر فيه. والثاني: ما لا يؤثر فيه.
وما يؤثر هو المعارض على الحقيقة، وهذا ما يذهب المرتضى إلى أنه يجب على الله ــ تعالى ــ أن يمنع حصوله؛ ليسلم الخوفُ للمُكَلَّفِ ويجبَ عليه النظر. ومثاله الذي يراه المرتضى أجود ما قيل في المعارضة الحقيقية: أن يأتي الخاطر المعارض قائلا: «لا تأمن إن نظرت أن [يفضي] بك النظر [إلى] أنه لا صانع لك تخاف من جهته [عقابا] ، ولا ترجو ثوابا. (قال المرتضى:) ومعلوم أن المُكَلَّفَ لا يأمن ذلك قبل النظر. ثم يقول: وإذا علمت قطعا أنه لا صانع؛ أمنت العقاب وأقدمت على فعل القبيح بطمأنينة. (قال المرتضى:) وهذا أمارة؛ لأن من المعلوم أن مَنْ أمِنَ مِنَ الضَّرَرِ أقدم على ما يشتهيه» .
ومع أن المرتضى صرح بأن ذلك أجود ما قيل في المعارض الحقيقي، وأن مثل هذا الخاطر يجب على الله ــ تعالى ــ أن يمنع حصوله وكل ما أشبهه مما يؤثر في الخوف، ويقدح في وجوب النظر؛ فهو يجوز أيضا جواب المتمسك به في نفي وجوب النظر بأنه لا يعارض الخاطر الأول المفضي إلى وجوبه، من حيث كان الخوف في ترك النظر في معرفة الله ــ تعالى ــ وفق الخاطر الأول متعلقا بالحذر من استحقاق العقاب العظيم الدائم الذي لا يُتَحَمَّلُ مِثلُه، على حين أن المُكَلَّفَ «يخاف إذا نظر في معرفة الله ــ تعالى ــ على ما ألقاه إليه الخاطر المعارض أن يفضي به النظر إلى أنه لا صانع له؛ فينهمك في المعاصي، وما يستحقه على المعاصي [من الذم] ليس بضرر ألبتة، وإن كان في بعض الأحوال قد استضر به لأمور تقتضيه؛ فلا يقارب الاستضرار بالعقاب الدائم؛ فالنظر في معرفة الله واجب على كل حال ليتحرز به من الضرر الأعظم» [1] .
(1) - المرتضى: الذخيرة ـ ص 178. وراجع الطوسي: التمهيد ـ ص 202 وقد أضفت منه ما بين المعقوفتين.