فهرس الكتاب
وقد وَفَّى القاضي فجعل الفصل قبل الأخير من كلامه عن «النظر والمعارف» لبيان هذه المسألة ودفع ذلك الاعتراض؛ لكن الشريف المرتضى سارع إلى تقديم ما أخره القاضي، ويبدو من كلامه ترجيح ما ذكره القاضي من كلام شيخه أبي عبد الله البصري؛ فذكر أن الدلالة على أن المعرفة الضرورية لا تقوم مقام المكتسبة في اللطف؛ لأن المعلوم المتقرر أن من تَحَمَّلَ مشقة عظيمة لكي يصل إلى فعل غرض من الأغراض، يكون تمسكه به بخلاف من يبلغه بغير مشقة. وإذا كانت المعرفة إنما تراد لتدعو إلى فعل الواجب وتصرف عن فعل القبيح؛ فقد وجب أن لا تقوم الضرورية ولا مشقة فيها مقام المكتسبة. ومثال ذلك: أن من يتكلف مؤنة عظيمة في بناء دار ليسكنها، يكون أقرب إلى سكناها وأحرص عليه ممن وهبت له، أو وَرِثَها فدخلت في ملكه بغير مشقة. وكذلك الذي يسافر في طلب العلم والأدب ويتحمل المشاق في سبيل ذلك، لا يكون توفره على العلم والأدب كتوفر من قصد إليه العلماء في داره فتلقى عنهم بغير كلفة ولا مشقة .. قال المرتضى: «وأمثلة ذلك كثيرة معروفة» . وزعم الطوسي أن العلم بذلك ضروري [1] .
(1) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 180. وتمهيد الطوسي ـ ص 203. وهذا آخر ما ذكره القاضي من أدلة شيوخه في هذه المسألة، وعزاه إلى أبي عبد الله البصري الذي جعل لاطراد هذا الحكم شرطا، فحكى عنه أن من يتحمل المشقة في فعل لكي يفعل غيره يكون أولى بأن يفعل ذلك الغير منه إذا لم يتحمل المشقة، بشرط أن تكون صفة الفاعل في الحالين واحدة؛ لأن من يتولى الخبز أو الطبخ ليأكل، لا يلزم أن يكون في كل حال أقرب إلى الأكل مما لو تولَّى غيره الخبز والطبخ، من حيث إن توليه ذلك قد يغير في حاله من تناقص الشهوة وحصول الفتور .. قال: «ولو لم يتغير حاله؛ لوجب ما ذكرناه. فإذا صح أن معرفة الله إنما تجب من حيث كانت لطفا، وكان (عدم) وقوعها من جهته أدخل في باب اللطف من الوجه الذي ذكرناه؛ فيجب أن لا يضطره إليها..وليس بعد ذلك إلا القول بأنه لا مُكلَّف إلا ويلزمه فعلها» .. القاضي: المغني ـ 12/ 513، 514. وما بين القوسين أضفته ليستقيم معنى الكلام.