فهرس الكتاب
ولئن قال معارض: ما بال مَنْ عَصَى فيما كُلِّف به من المعارف؛ فلم يفعل ما وجبَ عليه الابتداءُ به من النظر، مثلا، في إثبات الأعراض. أيُقالُ: إنه مع المعصية يُكَلَّفُ النظرَ في الأوقات المستقبلة، أو يكونُ غيرَ مُكَلَّفٍ؟ وإن خرج من التكليف بمعصيته؛ فكيف يخرج عنه مع كمال عقله وتكامل شروطه، ولئن جاز هذا فيمن عصى من العقلاء وأخل بالنظر؛ لجاز في جميعهم. وإن قلتم: إنه لا يخرج عن التكليف العقلي مع كمال عقله؛ لكنه يخرج عن تكليف تجديد النظر أو معاودته ثانيا بعد أن عصى فيه أوَّلا. قيل: وكيف يخرج عن وجوب النظر عليه في المستقبل، والخواطر المخوفة واردة عليه كما كانت في الأول، ولئن جاز سقوط الوجوب عنه ثانيا؛ جاز أوَّلا؟! فإن قلتم: إنه بعد المعصية في النظر الأول يكون مُكَلَّفًا بالنظر أيضا. قيل لكم: ليس يخلو وقد عصى أوَّلا في النظر في إثبات الأعراض من أن يكون في الحال الثانية مُكَلَّفًا النظر في حدوثها، أو استئناف النظر في إثباتها. وعلى الأول يكون مُكَلَّفًا بما يستحيل عليه فعله؛ لأنه إذا لم يعلم ثبوت الأعراض فكيف يعلم حدوثها؟! وعلى الثاني يجب إذا كُلِّفَ استئناف النظر أن يبقى الزمان الذي يتمكن فيه من استيفاء جميع ما كُلِّفه من المعارف، وأن يبقى بعد ذلك وقتا يتمكن فيه من أداء واجب، أو الامتناع عن فعل قبيح. وهذا يقتضى أنه إذا عصى أبدا أن يبقى أبدا. وليس يمكن أن يقال: إنه لا يجب بعد أن كلَّفَه بعد التقصير التكليفَ الثاني أن يبقيه المدة التي يستوفي فيها المعارف، كما قيل في التكليف الأول. وذلك لأن العلة التي لأجلها وجب إبقاؤه في الأول ثابتة في الثاني، وكيف يُكلَّفُ نظرًا الغرضُ فيه والمقتضي لحسنه المعرفة، ويُقْطَعُ دون الوقت الذي تصح فيه المعرفة؟! قال المرتضى: «وهذا سؤال قوي الشبهة» [1] .
(1) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 181، 182. والطوسي: التمهيد ـ ص 204، 205..وما أثبته هو ما تخلص لي من مجموع ما في الكتابين.