فهرس الكتاب
والجواب: أن العاصي في النظر الأول، وهو على التقدير النظر في إثبات الأعراض، لا يخلو من أن يُقْتَصَرَ به على التكليف الأول من غير زيادة عليه، أو أن يُكَلَّفَ بعده سواه. فإن كان الأول لم يجز أن يُكَلَّفَ بعد تقصيره في النظر الأول استئناف النظر؛ لأن الغرض من النظر المعرفة، والغرض في تكليف المعرفة أن تكون لطفا، وإذا قدّرنا أنَّ العاصي في النظر الأول لم يُكَلَّفْ إلا القدر الذي لو لم يعص في طريق المعرفة به لعرف؛ فكانت معرفته لطفا فيه، وقد فَوَّتَ نَفسَه هذا اللطفَ بمعصيته، ولم يُكلَّف زيادةً على التكليف الأول؛ فلا وجه لتكليفه استئناف نظر لا يؤدي إلى معرفة ولا غرض فيه.
وإن قدَّرنا أن ذلك العاصي في ابتداء النظر قد كُلِّف زيادةً على التكليف الأول، الذي لو نظر وعرف لكانت معرفته لطفا فيه؛ فلا بد من تكليفه استئناف النظر وإبقائه المدة التي يَصِحُّ فيها تكامل المعارف، على ما ذكر في الحال الأولى. ولا يجب أن يؤدي ذلك إلى ما لا نهاية له من البقاء والتكليف؛ لأن التكليف إلى غاية متناهية؛ فينتهي الحال في مَن عصى إلى أنه لا يجب تكليفه استئناف النظر.
وإذا كان العاصي في ابتداء النظر مُقْتَصَرًا به على التكليف الأول من غير زيادة عليه، وكان غير مُكَلَّفٍ استئنافَ النظر بعد ذلك؛ فليس من اللازم أن يكون ممن يرد عليه الخواطر المخوفة من ترك النظر؛ بل لا بد من أن يُصرَفَ عن ذلك ويُلَهَّى عن خطور الخواطر المُخَوِّفة، ولا يجب أن يكون بذلك فاقدا لعقله؛ لأن في العقلاء من ينصرف عن أمور كثيرة دينية ودنيوية، وعن الفكر فيها والتخَوُّفِ منها مع ظهور أماراتها؛ لأسبابٍ شاغلةٍ وصوارفَ مُلْهِيَةٍ.