الصفحة 117 من 1224

ولا يجب إذا خرج ذلك العاصي من تكليف استئناف النظر، على الوجه الذي سبق بيانه، أن يخرج أيضا عن التكليف العقلي؛ مثل: الامتناع من الظلم والكذب، ووجوب شكر المنعم، وما أشبه ذلك؛ لأن كمال عقله يوجب هذا التكليف. وإيجاب النظر إذا لم يكن طريقا إلى المعرفة لا وجه له، وإذا كان الموجب له والمنبه عليه هو التخويف الذي فرضنا زواله؛ فقد زال وجه وجوب النظر [1] .

وهنا يورد المرتضى اعتراضا أو سؤالا آخر .. أتقولون: إنه يستحق إذا فرَّط في النظر الأول الذم والعقاب على ترك النظر في الأحوال المستقبلية؟ فإن قلتم: لا يستحق ذلك. أخرجتم النظر في هذه الأوقات من أن يكون واجبا عليه. وإن قلتم: إنه لا يستحق الذم والعقاب على ذلك أجمع. أوجبتم استحقاق الذم والعقاب على ما يتعذر فعله على المكلف ويستحيل منه؛ لأن معصيته في النظر الأول تحيل وقوع النظر في الثاني والثالث على وجه يوجب العلم.

والجواب: أنه يستحق الذم على ترك النظر في الأوقات المستقبلية كلها لأنه عصى في الأول، وإن كان استئناف النظر بعد ما قصر في الأول متعذرا عليه؛ لكنه أُتِيَ في تَعَذُّرِه من قِبَلِ نفسِه، وهو الذي أخرج نفسه بتقصيره في الأول من التمكن من تأتِّي ما وجب عليه من النظر. ولا يقال في ذلك: إن النظر في الأوقات الآنفة يجب عليه وقد قصر في الأول، وإنما يقال: كان واجبا عليه فضيَّعه وفوَّته نفسَه. ومثال ذلك من كُلِّفَ صيامَ يومٍ فأكل في أوله، فإنه يستحق الذم والعقاب على تفريطه في صوم اليوم كله، وإن كان متى فرط في صوم أوله تعذَّر عليه صيامُ باقيه؛ لكن ذلك التعذر من جهته، وأُتِيَ فيه من قِبَلِ نفسِه؛ فالذم متوجه نحوه على ترك صيام جميع اليوم.

(1) - انظر المرتضى: الذخيرة ـ ص 182، 183. والطوسي: التمهيد ـ ص 204، 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت