فهرس الكتاب
وذكر مثالا آخر وضح فيه أن السيد الذي يأمر عبدًا أن يناوله كوزا في وقت مخصوص وبينهما مسافة، متى ما قصر العبد في قطعها فإنه يكون مذموما على ترك المناولة، وإن كان بتفريطه في قطع المسافة قد تعذرت عليه المناولة في ذلك الوقت المخصوص [1] .
(1) - وكان القاضي عبد الجبار قد أورد المثال أولا من العقليات، فجعل الكلام عن وجوب النظر وترتيب مراحله بمنزلة الكلام عن رد الوديعة وقضاء الدين من حيث يجب على المكلف قطع مسافة بينه وبين صاحب الحق .. قال: «وقد علمنا أنه إذا لم يفعل قطع المكان الأول، لم يمكنه فعل ما بعده، ولا فعل العطية، ولم يوجب ذلك خروجها من أن تكون واجبة ومن أن يستحق بتركها العقاب. وكذك القول في النظر» ..
وذكر القاضي أن النظر الأول بمثابة الشرط في الثاني، فإذا أتي المكلف من قبل نفسه بالعصيان والتقصير فيه؛ فلم يفعله ولم يفعل الثاني؛ فإنه يلزمه استحقاق العقاب على تركهما جميعا. ثم ذكر مثال الصوم من الشرعيات قائلا: «وهذا كما نقول: إن النصف الثاني من نهار الصوم لزم المكلَّف الصوم فيه بشرط أن يصوم ما قبله» . وبين أنه واجب على هذا الوجه دون أن يقال: إن النصف الثاني يجب ابتداءً. ومن ثمّ استحق العقاب مَنْ لم يدخل في الصوم من أول النهار على أنه ترك صيام اليوم كله. قال القاضي: «إنه يستحق العقوبة على ذلك وقد ضيّع صوم باقي يومه، من حيث فوَّت نفسَه بما فعله أوَّلا إتمامَهُ؛ فيستحق العقوبة لأنه ترك الأمرين. وهذا طريقنا فيمن لزمه أن يحج فلم يخرج من وقته إلى مواقف الحج ...» .
ثم رجع فقال: «وهكذا نقول في العقليات ...» ؛ فذكر مثال السيد الذي أمر عبدا له أن يناوله كوزا في وقت مخصوص .. انظر القاضي: المغني ـ 12/ 450: 456.
وهذا يشير إلى أن كتاب القاضي كان بين يدي الشريف المرتضى، وأنه كان يعمد إلى اختصاره اختصارا لا يُفَوِّتُ الكثير من عبارات القاضي وأمثلته، وقد اختار الشريف من الشرعيات مثال الصوم، وترك مثال الحج، ومن العقليات مثال طلب السيد من عبده أن يناوله كوزا في وقت مخصوص، وترك مثال رد الوديعة وقضاء الدين ..