الصفحة 131 من 1224

فهل يكون في ذلك أيضا متابعا للقاضي عبد الجبار الذي يرى أن الاستدلال بالكتاب في موضوع النظر بعيد؛ لأن الكلام في صحة النظر عَقلِيٌّ، وصحة الكتاب مبنية عليه، ولا يصح إلا بعد صحته؛ إلا إذا كان ذكر الكتاب في مثل هذا المحل على جهة التأكيد، وإيراد مناقضة قول الخصم، خاصة أن الطوسي قد ذكر ذلك بعد استيفاء الدلالة العقلية على وجوب النظر؟! [1] . وإن كان كلام الشيخ الطوسي من هذا الباب؛ فهذا لا يمنع أن الرجل يتنازعه ميراثان: ميراثه الأول من الشيخ المفيد، وميراثه الثاني من الشريف المرتضى الذي تغلب عليه آثار كلام المعتزلة البصرية في هذه المسائل البعيدة عن جوهر مذهبه في الإمامة. ولعله أن يتبين لنا بصورة أوضح مع متابعة هذه الدراسة ــ بإذن الله تعالى ــ صِحَّةُ هذه الملاحظة، التي سبقت الإشارةُ إليها في الكلام عن الشيخ الطوسي في التمهيد.

وقد استدل الطوسي لإثبات أن النظر دون سواه هو طريق معرفة الله ــ تعالى ــ بأنَّ الطرق إلى معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها: أولها: أن يُعلَم الشيء ضرورة لكونه مركوزا في العقول. والثاني: أن يُعلَم من جهة الإدراك إذا أدرك وارتفع اللبس. والثالث: أن يُعلَم بالأخبار. والرابع: أن يُعلَم بالنظر والاستدلال.

والعلم بالله ــ تعالى ــ ليس بحاصل من الوجه الأول؛ لأن ما يعلم ضرورة لا يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه، ولذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين وأن الشبر لا يطابق الذراع. والعلم بالله فيه خلاف بين العقلاء؛ فلا يجوز أن يكون ضروريا.

(1) - راجع القاضي عبد الجبار: المغني ـ 12 / 127، 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت