الصفحة 134 من 1224

ولقد ذكر أنَّ النظر المؤدي للمعرفة هو أول الأفعال المقصودة وجوبا، وأن جهة وجوبه الخوف والتحرز من الضرر، وذكر مثالا قريبا من مثال المرتضى عن نشأة العاقل بين أصحاب المذاهب المختلفة، ملاحظا دعوة كل فريق منهم إلى مذهبه وتخويفه من خلافه؛ لكنه يرد الخوف إلى التحرز من ضرر المذاهب التي لا يستطيع العاقل تقليدها جميعا، ولا تركها جميعا، ولا يأمن في اختيار أحدها بغير نظر من تخويف غيره لجواز كونه حقًّا؛ فيلزم النظر تحرزا من الضرر [1] . وهذا ملمح جديد في إجراء الاستدلال على وجوب النظر بوجوب التحرز من الخوف.

* وفي بداية كتابه «الكافي» يورد هذه المسألة بصورة أكثر تفصيلا، ويضم إلى ما سبق فكرة وجوب شكر المنعم واستحقاق المدح والثواب، وخوف الإخلال بالواجب واستحقاق الذم والعقاب، وهو الجانب الذي أكده شيخاه المرتضى والطوسي؛ فيقول: «إن كل حي عند كمال عقله يجد عليه آثار نفع من كونه حيا سميعا بصيرا عاقلا مميزا قادرا متكلما مدركا للمدركات منتفعا بها، يُجَوِّزُ أن يكون ذلك نعمة لمنعم، ويعلم أنه إن كان ذلك نعمة فهى أعظم من كل نعمة لانغمارها في جنبها، وكونها فرعا لها واستحالة انفرادها منها، ويعلم وجوب شكر المنعم واستحقاق المدح به والذم على الإخلال بواجبه، ويُجَوِّزُ أن يكون له صانع صنعه وفعل النفع به محسنا إليه به تعريضا للثواب على شكره ومعاقبا على الإخلال بحمده» [2] .

(1) - راجع أبا الصلاح الحلبي: تقريب المعارف ـ ص 33، 34.

(2) - أبو الصلاح الحلبي: الكافي في الفقه ـ ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت