الصفحة 135 من 1224

ويذكر الحلبي بعد ذلك أن العاقل يجد في عقله وجوب المظنون والمعلوم، وحسن طلب النفع المعلوم والمظنون، ويعلم نفعا هو المدح والثواب، ويظن ضررا هو الذم والعقاب؛ فوجب لذلك عليه معرفة من خلقه وخلق النفع له؛ ليعلم قصده فيشكره إن كان منعما فيحوز عظيم النفع من المدح والثواب، وينجو من عظيم الضرر بالذم والعقاب، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالنظر في آثار صنعته.

ثم يذكر أن العلم يكثر بكثرة النظر ويقل بقلته، ويرتفع من دونه. ويؤكد أنه لو كان للمعارف سبب غير النظر؛ لجاز أن ينظر العاقل في برهان حدوث الأجسام فيعلم النبوة، وينظر في برهان النبوة فيعلم الإمامة، ويحصل جميع المعارف للعامي المتشاغل بالتكسب المعرض عن النظر، ولا يحصل شيء منها للعاقل الناظر في الأدلة الموفي النظر حقه.

ثم يقول: «فإذا وجبت المعرفة للوجه الذي ذكرناه، ولم يكن لها سبب إلا النظر؛ وجب كونه أول الأفعال الواجبة لعموم العلم لكل عاقل بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به» [1] .

وعلى هذا فهو يصرح بأن وجه وجوب النظر أنه سبيل معرفة الصانع الواجبة؛ فيجب بوجوبها. ويضيف إلى ذلك وجهين آخرين: أولهما: كونه تحرزا من ضرر لولا فعله لم يأمن العاقل نزوله به من الذم والعقاب. والثاني: كونه شرطا في شكر النعمة.

وأبو الصلاح يكرر ما فصله هنا على نحو موجز في كتابه الثالث «البرهان على ثبوت الإيمان» ؛ فكلامه فيه مثل كلامه في «الكافي» ؛ غير أنه لم يذكر فيه أن العلم يكثر بكثرة النظر ويقل بقلته [2] .

2 ــ المقارنة بآراء أهل السنة:

(1) - انظر السابق ـ ص 38، 39.

(2) - راجع أبا الصلاح الحلبي: البرهان في إثبات الإيمان (ضمن كتاب أعلام الدين للديلمي) ـ ص 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت