الصفحة 145 من 1224

بـ ــ وفيما يتعلق بحكم النظر نجد أن المذهب الذي أخذ به المفيد وتلميذه الكراجكي في بيان وجوب النظر يكاد يكون مطابقا في حقيقته لما نعرفه من رأي جمهور الفقهاء الأوائل وعلماء الحديث من أهل السنة في هذه المسألة؛ فطريق إيجاب المعرفة بالله هو الشرع الإلهي، والسماع عن مبلغه ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لقول الله ــ عزَّ وجَلَّ ــ: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } الإسراء/ 15. وقوله ــ تعالى ــ: { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى } طه/ 134. وإن ذهب بعضهم إلى الاكتفاء في استدلاله لمعرفة الله ــ تعالى ــ بأدلة النقل فقط بعد إثبات النبوة والرسالة، دون أن ينكروا دور العقل المهتدي بنور الوحي في تحصيل المعرفة بالله. وقد نقل ابن تيمية عن أحد فقهاء الحنابلة المعاصرين للشيخ المفيد، وهو الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي (تـ428هـ) ، أن دلالة العقل المستقلة غير كافية في تحقيق معرفة الله ــ تعالى ــ اللازمة للعبادة؛ لأنها تدل على وجود خالق صانع، وأما معرفة أن هذا الخالق هو الله؛ فلا تُدرَكُ إلا بالسَّمْع [1] .

(1) - راجع ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ـ 9 / 59، ومجموع الفتاوى ـ 6 / 341، 342. وراجع بحثي: تطور مفهوم الوحدة الإلهية ـ ص 74: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت