الصفحة 146 من 1224

وإني لأحسب أيضا أن جملة كلام الشيخ المفيد والكراجكي في هذا المقام ليس بينها وبين ما ذهب إليه معاصروهما من الأشعرية في إيجاب المعرفة بالله ــ تعالى ــ في مبدأ التكليف، وفي دور العقل في تحصيلها كبيرُ فرق [1] ؛ فقد قال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني: «إن أول ما فرض الله ــ عز وجل ــ على جميع العباد، النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته؛ لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة» [2] . وقال في «التقريب والإرشاد» جوابا لمن يسأل عن الدليل على وجوب النظر: «الذي يدل على وجوبه السمع دون قضية العقل، وقد ثبت إيجاب الله ــ تعالى ــ علينا معرفته، وشكره، ووصفه بصفاته، وباعتقاد الحق واجتناب الباطل فيما اختلف فيه أهل الصلاة. وقد ثبت أن ذلك أجمع لا يعلم ضرورة لاختلاف العقلاء فيه، ونفي كثير منهم له؛ فوجب أن يكون طريق العلم به الاستدلال.

(1) - وإن كان بينهم خلاف يسير في تحديد أول الواجبات على المكلف في هذا المجال .. أهو القصد إلى النظر كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني والأستاذ ابن فورك وإمام الحرمين الجويني، أم النظر كما قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، أم معرفة الله ـ تعالى ـ كما قال الأشعري نفسه؟ فهذه هي الآراء المعروفة عند متكلمي الأشعرية، وقد ارتضى العلامة عبد العزيز الفرهاري ما نقله عن صاحب المواقف من أن النزاع في هذه الآراء لفظي. راجع كتابه: النبراس على شرح العقائد النسفية ـ ص 34. وراجع الجرجاني: شرح المواقف ـ 1/ 275، 276. وراجع أيضا سعد الدين التفتازاني: شرح المقاصد ـ 1/ 271 وما بعدها.

(2) - الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ـ ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت