الصفحة 148 من 1224

غاية الأمر أن الأشعرية قد يجعلون العقل يستقل بتحصيل المعرفة أو في الاستدلال بغير تنبيه الشرع؛ لكنَّهم وجمهور متكلمي أهل السنة مع المفيد والكراجكي في أن العقل لا يكون مصدرا للتكليف والإيجاب الذي يتعلق به الثواب والعقاب، ولا يكون أيضا الأساس في تحديد أصول المسائل الكلامية، ولقد نبه على هذا العلامة سعد الدين التفتازاني في «شرح العقيدة النسفية» حينما تكلم عن علم الكلام فقال: «وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية» [1] ، وقال الشريف الجرجاني في «شرح المواقف العضدية» : «دلائله يقينية يحكم بها، أي بصحة مقدماتها وحقية الصور العارضة لها، صريحُ العقل بلا شائبة من الوهم، وقد تأيدت تلك الدلائل بالنقل، وهي ... الغاية في الوثاقة؛ إذ لا يبقى شبهة في صحة الدليل الذي تطابق فيه العقل والنقل» [2] . وهذا هو مفهوم المقولة المشهورة في التعويل على العقل اعتمادا وعلى الشرع اعتدادا [3] . وهذه هي نقطة الخلاف الأصلية بين هؤلاء جميعا والمعتزلة البصريين ومن نحا نحوهم، كما يظهر من كلام القاضي عبد الجبار الذي يقطع باستقلال العقل في هذا المقام بالإيجاب والاستدلال وفقا لمقالتهم المعروفة بمنع الدور؛ فحجة الشرع ــ من الكتاب والسنة والإجماع المستند إليهما ــ لا تعرف إلا بعد معرفة الله ــ تعالى ــ بتوحيده وعدله، وإن كان القاضي عبد الجبار قد قرر أن الدلالة في أصول الدين ثابتة في أربعة أشياء: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع (أي الدلائل العقلية، والسمعية) ؛ فإنه صرح في الموضع نفسه بأن معرفة الله ــ تعالى ــ لا تنال إلا بحجة العقل، وبين رأيه في إطار فكرة منع الدور [4] .

(1) - التفتازاني: شرح العقائد النسفية ـ ص 13.

(2) - الجرجاني: شرح المواقف ـ 1 / 53.

(3) - انظر العلامة أبا عذبة: الروضة البهية ـ ص 34: 39. وراجع عبد العزيز الفرهاري: النبراس ـ ص 31.

(4) - انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ـ ص 88، 89..وراجع نقد نظرية الدور وبيان آثارها على منهج الاستدلال في قضايا علم الكلام عند أستاذنا الدكتور حسن الشافعي: المدخل إلى دراسة علم الكلام ـ ص 165: 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت