فهرس الكتاب
* ويرى إمام الحرمين الجويني أيضا أن العقل عبارة عن بعض العلوم الضرورية التي تمثل أصول النظر، ولا يُتَوَقَّعُ الوصول إلى العلم بالتكليف دونها .. قال: «كل علم لا يخلو العاقل منه عند الذكر فيه، ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل؛ فهو العقل. ويخرج من مقتضى السبر أن العقل علوم ضرورية بتجويز الجائزات، واستحالة المستحيلات؛ كالعلم باستحالة اجتماع المتضادات، والعلم بأن المعلوم لا يخلو عن النفي أو الإثبات، والعلم بأن الموجود لا يخلو عن الحدوث أو القدم» . وهو لا يرفض مع ذلك أن يكون العقل من الألفاظ المشتركة الدالة على معان متعددة؛ لكن هذا المعنى المذكور هو المراد في الكلام عن النظر وتحصيل العلم [1] .
* ومن الفقهاء الذين كتبوا في الكلام على طريقة الأشعرية الفقيه الشافعي أبو سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي النيسابوري (تـ478هـ) ، وله كتاب «الغنية في أصول الدين» [2] ذهب فيه إلى أن العقل هو العلم؛ لأنه لا يحسن أن يقال: علمت وما عقلت، أو عقلت وما علمت. ثم ذكر أن العقل اسم لنوع من العلم، وهو البديهي دون الضروري والكسبي؛ لأن أصل العلوم الضرورية الحواس ومن الجائز أن يكون الموجود عاقلا ولا حاسة له، والكسبي يحصل عن نظر والعقل يسبق النظر [3] .
(1) - انظر الجويني: الإرشاد ـ ص 15، 16.
(2) - وقد ترجم له السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ـ 5/ وذكر أن هذا الكتاب على طريقة الأشعري. وذكره ابن الجوزي في المنتظم ـ 8/ 7 في ترجمة أبي علي الدقاق، وصرح بأنه تلميذ أبي القاسم القشيري. وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ـ 18/ 487 بلقب العلامة. وهو صاحب كتاب «تتمة الإبانة» في فقه الشافعية لشيخه الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني المروزي الشافعي (تـ461هـ) ، كما ذكره مصطفى بن عبد الله القسطنطيني في كشف الظنون ـ 1/ 1.
(3) - انظر أبا سعيد النيسابوري: الغنية في أصول الدين ـ ص 51، 52.