فهرس الكتاب
وأبو حامد الغزالي يذهب إلى أن العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان:
أولها: الوصف الذي يفارق الإنسانُ به سائر البهائم، وهوالذي استعد به لقبول العلوم النظرية، وتدبير الصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده الحارث بن أسد المحاسبي حيث قال في حد العقل: «إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية» .
والثاني: العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد، وهو الذي عناه بعض المتكلمين حيث قال في حد العقل: «إنه بعض العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات» . وهو أيضا صحيح في نفسه، وإنما الفاسد أن تنكر الغريزة ويقال: لا موجود إلا هذه العلوم.
والثالث: العلوم التي تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال؛ فإن من حنَّكته التجارب وهذبته المذاهب يقال: إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف بهذه الصفة يقال: إنه غبي غمر جاهل.
والرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى معرفة عواقب الأمور، وقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة وقهرها؛ فإذا حصلت هذه القوة سُمِّيَ صاحبها عاقلا، من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب، لا بحكم الشهوة العاجلة.