فهرس الكتاب
وذكر الغزالي أن المعنى الأول هو الأس والمنبع، والثاني هو الفرع الأقرب إليه، والثالث فرع الأول والثاني إذ بقوة الغريزة والعلوم الضرورية تستفاد التجارب، والرابع هو الثمرة الأخيرة والغاية القصوى. ثم قال: فالأولان بالطبع، والأخيران بالاكتساب. وذكر أبو حامد أن حصول هذه المعاني في الناس يتطرق إليه التفاوت ما عدا المعنى الثاني، وهو العلوم الضرورية. وذكر أيضا أنه لا خلاف في وجود هذه الأقسام أو المعاني إلا الأول [الغريزة] ، والصحيح وجودها بل هي الأصل، وهذه العلوم كأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة، ولكن تظهر في الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود؛ حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج، وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت [1] .
ومن الملاحظ أن كلام الشيخ المفيد عن العقل يتضمن المعنى الرابع مما جاء في كلام أبي حامد الغزالي؛ فالعقل عند المفيد هو المعنى الذي يتميز به معرفة المستنبطات، أي الذي يدرك به العلوم النظرية المستنبطة، وثمرته التي سُمِّيَ لأجلها عقلا أنه يعقل عن المقبحات. أما العلوم الضرورية وما يستفاد من التجارب؛ فهي من العلوم والمعارف التي تحصل لذلك العقل عندما يمارس وظيفته الإدراكية. على حين أن حد المرتضى للعقل بأنه قوة في القلب أقرب إلى المعنى الأول الذي هو ملكة وغريزة، ويمكننا أن نقول: إنَّ كلام المرتضى والشيخ الطوسي الموافق لمذهب القاضي عبد الجبار جمع المعاني من الثاني إلى الرابع.
(1) - انظر الغزالي: إحياء علوم الدين ـ 1/ 101: 104.