فهرس الكتاب
* وهذه التعريفات في معظمها لدى المعتزلة ــ كما سبق ــ والاثنا عشرية والأشعرية، تنظر للعقل من الإنسان باعتباره عرضا من الأعراض، أو معنى من جنس العلوم والاعتقادات إذا قام بالإنسان صار عاقلا، وليس فيها ما ينظر إلى العقل باعتباره آلة مادية وعضوا من جسم الإنسان يؤدي الوظائف التي أشاروا إليها، بشرط سلامته وتوفر الإمكانات اللازمة لقيامه بهذه الوظائف، على نحو ما نجده عند الماتريدية الذين ذكر أحد أئمتهم في القرن الخامس، وهو أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي (تـ493هـ) ، إجماع «أهل القبلة» على أن العقل آلة؛ فقال: «أجمع أهل القبلة على أن العقل آلة وقوع العلم بالأشياء، كالعين آلة وقوع العلم بالمرئيات، والأذن آلة وقوع العلم بالمسموعات، والأنف آلة وقوع العلم بالمشمومات، والفم آلة وقوع العلم بالمذوقات، واليد آلة وقوع العلم بالملموسات؛ لأن الله ــ تعالى ــ أجرى العادة أن العبد إنما يصير فاعلا بالآلات، وإن لم تكن الآلة شرط وجود الفعل؛ فإن الله ــ تعالى ــ فاعل بلا آلة. والله ــ تعالى ــ خلق العقل وجعله آلة لمعرفة الأشياء في حق العباد. وهو جسم لطيف مضيء محله الرأس عند عامة «أهل السنة والجماعة» ، وأثره يقع على القلب، فيصير القلب مُدركًا بنورِ العَقلِ الأشياءَ، كالعين تصير مدركة بنور الشمس ونور السراج الأشياء، فإذا قل النور أو ضعف؛ قل الإدراك، وإذا انعدم النور؛ انعدم الإدراك ...، وإليه أشار أصحابنا فإنهم قالوا: إذا ضرب إنسان رأس غيره زال عقله. جعلوا العقل في الرأس ...، ويقال: فلان عاقل. أي عالم؛ لأن العقل يذكر ويراد به العلم، ويقال: عاقل. أي ذو عقل، كما يقال: تامر ولابن. أي ذو تمر وذو لبن» [1] .
د ــ لقد تعرض المرتضى في بيان صحة النظر الذي يولد ــ عنده ــ العلم لذكر شروطه مفرقة فذكر:
1ــ أن يكون النظر واقعا في دليل.
(1) - انظر البزدوي: أصول الدين ـ ص 205: 207.