فهرس الكتاب
* وحينما تكلم إمام الحرمين الجويني عن النظر الصحيح والفاسد قال: «الصحيح منه كل ما يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل، والفاسد ما عداه. ثم قد يفسد النظر بحيدِهِ عن سنن الدليل أصلا، وقد يفسد مع استناده للسداد أوَّلا لطروء قاطع» [1] . وهذا كله مأخوذ من كلام الباقلاني السابق. وقد ذكر إمام الحرمين بعد ذلك أن النظر بصورة عامة يضاد العلم بالمنظور فيه، ويضاد الجهل به، كما يضاد الشك فيه. وبين أن سبيل مضادته للعلم بالمنظور فيه أن النظر بحث عنه وابتغاء توصل إليه، وذلك يناقض تحقق العلم؛ إذ الحاصل لا يبتغى. وسبيل مضادته للجهل، والمقصود الجهل المركب، أن الجهل اعتقاد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو به، والجاهل مصمم عليه، وذلك يناقض التطلب والبحث. أما الشك؛ فهو تردد بين معتقدين، والنظر بغية للحق؛ فهو إذًا مضاد للعلم وجملة أضداده [2] . وهذا يعني أن النظر لا يقارن شيئا من هذه الأضداد جميعا.
* وقد يكون من تمام الفائدة أن أشير في هذا المقام إلى توسع المتأخرين في الكلام عن شروط النظر الصحيح وضبطها، ومن ذلك ما نجده من كتاب «شرح المقاصد» للعلامة سعد الدين التفتازاني، في كلامه عن شرائط النظر التي قسمها ابتداء قسمين: أحدهما: الشرائط العامة لمطلق النظر صحيحا كان أو فاسدا، وهي بعد شرائط العلم من الحياة والعقل وعدم النوم والغفلة ونحو ذلك، أمران:
(1) - الجويني: الإرشاد ـ ص 3. وهذا ما ذهب إليه أيضا معاصره أبو سعيد النيسابوري في الغنية ـ ص 54.
(2) - انظر الجويني: الإرشاد ـ ص 5.