فهرس الكتاب
2ــ أن يكون النظر في الدليل من جهة دلالته، وهي الأمر الذي بواسطته ينتقل الذهن من الدليل إلى المدلول .. قال: «فإذا استدللنا بالعالم على الصانع، بأن نظرنا فيه وحصلنا قضيتين: إحداهما أن العالم حادث، والأخرى: أن كل حادث له صانع؛ ليعلم من ترتيبهما أن العالم له صانع. فالعالم هو الدليل عند المتكلمين، لا نفس المقدمتين المرتبتين على ما هو اصطلاح المنطق، وثبوت الصانع هو المدلول، وكون العالم بحيث يفيد النظر فيه العلم بثبوت الصانع هو الدلالة، وإمكان العالم أو حدوثه الذي هو سبب الاحتياج إلى المؤثر هو جهة الدلالة. وهذه الأربعةُ أمورٌ متغايرة بمعنى أن المفهوم من كل ]واحد [ منها غير المفهوم من الآخر» [1] .
* وقد ذكرت آنفا رأي الجويني في مضادة النظر للشك، وقد ذكر التفتازاني أن القاضي، وهو الباقلاني، رأى أن النظر لا يجب أن يكون مع الشك؛ بل ذهب الأستاذ، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني (تـ 418هـ) ، إلى أن الناظر يمتنع أن يكون شاكا.
وهكذا نلاحظ أن الأشعرية القدامى والمتأخرين لم يوجبوا مقارنة الشك للنظر؛ لكنَّ شيخنا الأستاذ الدكتور حسن الشافعي كان قد نقل عن سيف الدين الآمدي قوله: «الشك لا يبعد أن يكون مأمورا به في الفروع الاجتهادية، وأما الشك في الله ــ تعالى ــ فقال الباقلاني وأبو هاشم: لا يمتنع أن يكون مأمورا به؛ حيث وجب النظر ولا يتم إلا به» . وذكر شيخنا بعد ذلك أن الآمدي نفسه يرى أن النظر قد يقع من غير سابقة شك، ولو كان النظر متوقفا على الشك فليس من الواجب أن يكون مأمورا به، ثم قال: «ولكنه لا يدع هذه المسألة حتى يحقق رأي الباقلاني ويدافع عنه، فيقول: «إن بدء حصول الشك غير مقدور فلا يؤمر به، أما استمراره فقد يدخل في الأمر؛ حيث يمكن إزالته بالنظر أو إبقاؤه بترك النظر، والعادة جارية بوقوع العلم بعد الشك» .
(1) - انظر التفتازاني: شرح المقاصد ـ 1/ 255: 257.