فهرس الكتاب
أقول: إن نسبة هذا الرأي لأبي هاشم موضع اتفاق في مصادر المعتزلة والاثنا عشرية والأشعرية جميعا. وأما نسبته إلى القاضي أبي بكر الباقلاني؛ ففي النفس منها شيء؛ بل أقطع بأنها نسبة مجانبة للصواب، وقد جاء في كتاب «المواقف» وشرحه عقيب بيان آراء الأشعرية في أول واجب على المكلف .. جاء ذِكرُ رأي أبي هاشم الجبائي وحده، وذُكِرَ أنه رد بوجهين: أحدهما: أن الشك غير مقدور؛ فلا يكون واجبا إجماعا؛ لكن هذا غير مُسَلَّمٍ عند أبي هاشم لما يلزم عنه من كون العلم غير مقدور؛ لأن القدرة نسبتها إلى الضدين سواء، وإذا كان العلم عنده مقدورا فكذلك الشك. وفي هذا الموضع ذُكِرَ دفاعُ الآمدي بأن ابتداء الشك غير مقدور للعبد؛ بل واقع بغير اختياره، والمقدور دوامه بترك النظر، أو زواله بالنظر .. قال الجرجاني: «وأنت خبير بأن ما قاله لا ينفع أبا هاشم؛ لأن الذي يجب أن يتقدم عنده على القصد إلى النظر هو ابتداء الشك لا دوامه» .
والثاني وهو الصواب: أن وجوب المعرفة عنده مقيد بالشك على ما تقتضيه قاعدته؛ لأن الخوف المقتضي لوجوب المعرفة إنما نشأ عنده من الشك الحاصل من الشعور باختلاف الناس في الصانع، ومن رؤية آثار النعم. وإذا كان وجوب المعرفة عنده مقيدا بحصول الشك؛ فلا يكون إيجابها إيجابا له، كإيجاب الزكاة لما كان مشروطا ومقيدا بحصول النصاب؛ لم يكن إيجابها إيجابا لحصول النصاب، ولا مستلزما لإيجاب تحصيله اتفاقا [1] .
(1) - انظر الجرجاني: شرح المواقف ـ 1/ 278: 280.