الصفحة 165 من 1224

وإني لا أحسب أن أحدا من أهل السنة يكتفي في تحقيق ما يَلزَمُ المُكَلَّفَ في العقائد بمجرد التقليد المحض الذي لا تكون فيه مع المُقَلِّدِ دلالةٌ تُرجِّح مُتابعتَه لِمَنْ يُقَلِّدُه على وجه الخصوص دون غيره؛ فذلك التقليد المحض مذموم في الفروع والأصول جميعا. والخلاف في صفة هذه الدلالة، وفيما إذا كان يكفي أن تكون على سبيل الجملة، أو الواجب أن تكون على سبيل التفصيل. وفيما إذا كانت على صفة واحدة في الأصول والفروع، أو هي في الأصول على صفة وفي الفروع على صفة أخرى. وبناء على هذا كان اختلافهم في حكم إيمان المقلِّد ..

فالإمام أبو منصور الماتريدي يذكر في كتابه «التوحيد» أن المُقلِّد ليس بمعذور؛ «لإصابة مِثلِه ضِدَّه» ، أي أنَّ مثلَه من المُقَلِّدين يجوز أن يُقلِّد غيرَ من قلَّده هو في اعتقاد مخالف؛ فما الذي يمكن أن يأخذه أحدهما على الآخر إذا لم يكن عنده سوى التقليد المحض، وهما فيه مثلان لا يتميز أحدهما عن الآخر؟! ولذا يقول الماتريدي: «اللهم إلا أن يكون لأحد ممن ينتهي إليه القول حجة عقل يعلم بها صدقه فيما يدعي، وبرهان يقهر المنصفين على إصابته الحق» [1] . وهذا يعني أنه يجب أن يكون مع المُقَلِّدِ دلالة تُمَيِّزُ المُقَلَّدَ عن غيره.

(1) - الماتريدي: التوحيد ـ ص 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت