الصفحة 166 من 1224

والمشهور أن للأشعرية كلاما في إيمان المقلِّد، وأنه يمثل أحد مواضع الخلاف التي يشار إليها بين الأشعرية والماتريدية [1] ؛ إلا أن الأشعرية لا يغالون في الأمر غلو المعتزلة الذين يطالبون العَوامَّ بمعرفة مسائل الأصول معرفة تفصيلية بدلالة العقل، مع التمكن من دفع الشبه. وإنما ذكر أصحاب الأشعري أنه لا يجوز التقليد في الأصول بخلاف الفروع؛ لأن مسائل الأصول قليلة يمكن الإحاطة بها، وتكفي فيها المعرفة إجمالا بما هو مركوز في الطبائع السليمة، وقد يحتاج إلى نظر لطيف، كما سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدلان على الصانع الخبير؟ [2] .

وفي التبصرة النسفية ذكر أبو المعين ميمون بن محمد النسفي (تـ508هـ) أنَّ الأشعري كان يرى أن الاعتقاد إذا بني على دلالة عقلية كان كافيا، وإن لم يكن للمُعتقِدِ قدرة على دفع الشبه، إذا كان لا يرتاب في عقيدته عند ورود الشبه, وإنما يعلم أن وراءها ما يُبطِلُها من الحجة، وأن من العلماء القائمين بنصرة الملة من يقوم بدفعها؛ لأن اقتران الدليل باعتقاده صار علما استدلاليا مدخلا في الأمان من أن يكون مكذوبا أو مخدوعا أو ملبسًّا عليه؛ فكان مؤمنا، ولا معنى لاشتراط قدرته على دفع الشبه وحل الإشكالات الذي أوجبه المعتزلة البصريون [3] .

(1) - راجع أبا اليسر البزدوي: أصول الدين ـ ص 151: 153.

(2) - راجع أبا عذبة: الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية ـ ص 21، 25. وقد ذكر العلامة أبو عذبة بالإضافة إلى ذلك أن أبا القاسم القشيري ـ رحمه الله تعالى ـ قد أنكر صحة نسبة القول ببطلان إيمان المقلِّد للإمام أبي الحسن الأشعري أصلا.

(3) - انظر أبا المعين النسفي: تبصرة الأدلة ـ 1/ 31، 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت