فهرس الكتاب
وحكى عبد القاهر البغدادي أن المقلِّد وإن لم يكن مستحقا لاسم المؤمن عند الأشعري على الإطلاق؛ فهو ليس بكافر عنده لوجود ما يضاد الكفر والشرك من التصديق، وإنما هو عاص بتركه الاستدلال، ولله ــ تعالى ــ فيه المشيئة: إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم تكون الجنة عاقبة أمره لا محالة كسائر عصاة المسلمين [1] .
ولأبي حامد الغزالي ــ وهو صاحب لواء المذهب الأشعري في زمانه ــ كلام مختصر بديع في تصحيح إيمان المقلد، وهو يقطع بأن الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق، دون أن يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو أن يكون بيقين برهاني. كما يقطع بأن كثيرا من أجلاف العرب الذين سبقوا للإسلام وعز بهم لم يعتنقوه ببحث وبرهان؛ بل بمجرد قرينة ومُخَيّلة سبقت إلى قلوبهم، فقادتهم إلى الإذعان للحق والانقياد للصدق، وهم مؤمنون حقًّا [2] .
وهؤلاء إن لم يكن لهم بحث ولا برهان مما يصطنعه المتكلمون؛ فقد كان معهم ما يفيد صدق الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ ويرجح قوله فيما يدعوهم إليه على أقوال من يعارضونه؛ فليسوا في تقليدهم للرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ مقلدين على وجه التقليد المحض المذموم باتفاق طوائف المسلمين.
(1) - انظر البغدادي: أصول الدين ـ ص 255. وراجع النسفي: السابق ـ ص 29. وراجعه أيضا ص 40 حيث اتهم الأشعري ـ في قوله في المقلد ـ بأنه أخرجه من الكفر ولم يدخله في الإيمان؛ فأثبت بذلك المنزلة بين المنزلتين كما فعلت المعتزلة. وهذا ـ في رأيي ـ إلزام غير تام؛ لأن المعتزلة يقولون بخلود صاحب المنزلة بين المنزلتين في النار. والمقلد تارك الاستدلال ـ كما نقل النسفي نفسه عن البغدادي ـ في حكم العصاة المحكوم لهم بالجنة مآلا، إن لم يحظوا بعفو الله ـ تعالى.
(2) - انظر الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ـ ص 7.