فهرس الكتاب
* وهذا قريب جدا مما جاء في كلام الإمام ابن حزم الظاهري لو عري من عنف اتهامه للأشعرية بما بلغه عنهم، ومن شطط الحدة في التعبير عن رأيه .. يقول ابن حزم مفرقا بين تقليد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ وتقليد غيره في الرد على مبطلي مطلق التقليد: «أما قولهم: قد أجمع الجميع على أن التقليد مذموم، وإن ما لا يعرف باستدلال فإنما هو أخذ تقليد؛ إذ لا واسطة بينهما. فإنهم شغبوا في هذا الإمكان وَوَلَّبوا [1] ، فتركوا التقسيم الصحيح. ونعم إن التقليد لا يحل ألْبَتَّةَ، وإنما التقليد أخذ المرء قولَ من دون رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ممن لم يأمرنا الله ــ عز وجل ــ باتباعه قط، ولا بأخذ قوله؛ بل حرم علينا ذلك ونهانا عنه. وأما أخذ المرء قول رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ الذى افترض علينا طاعته، وألزمنا اتباعه وتصديقه، وحذرنا عن مخالفة أمره، وتوعدنا على ذلك أشد الوعيد؛ فليس تقليدا بل هو إيمان وتصديق، واتباع للحق وطاعة لله ــ عز وجل ــ وأداءٌ للمفترض؛ فَمَوَّه هؤلاء القوم بأن أطلقوا على الحق الذى هو اتباع الحق اسم التقليد الذى هو باطل. وبرهان ما ذكرنا أن امرأً لو اتبع أحدا دون رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في قول قاله لأن فلانا قاله فقط، واعتقد أنه لو لم يقل ذلك الفلان ذلك القول لم يقل به هو أيضا؛ فإن فاعل هذا القول مُقَلِّدٌ مُخطِئٌ عَاصٍ لله ــ تعالى ــ ولرسوله ظالمٌ آثِمٌ، سواء كان قد وافق قولُه ذلك الحقَّ الذى قاله اللهُ ورسولُه أو خالفه» [2] .
(1) - ولَّبوا: تعني أدخلوا في الأمر ووَلَّدوا .. يريد ابن حزم أنهم شغبوا بأن أدخلوا في التقليد المذموم باتفاق ما ليس منه. وراجع ابن منظور: لسان العرب ـ مادة (ول ب) .
(2) - ابن حزم: الفصل ـ 4/ 29، 30.