فهرس الكتاب
ووجه كلام ابن حزم في حسن تقليد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ أنه هو المخصوص بأن اصطفاه الله ــ تعالى ــ للرسالة، وأيده بالمعجزة القاهرة، وأمر بطاعته ونهى عن مخالفته. والناس بعد ذلك عند ابن حزم في مجرد قبول ما يدعوهم إليه الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ خاصة صنفان:
أحدهما: من تنازعه نفسه إلى معرفة البرهان، ولا تستقر إلى تصديق ما جاء به الرسول حتى تسمع الدلائل، وفرض هذا أن يطلب الدلائل؛ لأنه إن مات قبل أن يسمع من البرهان ما يثلج صدره؛ مات كافرا وخلد في النار، وكان بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ ورأى المعجزات، ومات على هذه الحال. وهذا كافر مخلد في النار بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام. والفرض فيمن كان على هذه الصفة أن يطلب ما فيه نجاته من الكفر والنار؛ اتباعا لقول الله ــ عز وجل ــ: { قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } التحريم/ 5.
والصنف الثاني: من سكن قلبه إلى الإيمان، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل؛ توفيقا من الله ــ عز وجل ــ وتيسيرا لما خلق له من الخير والحسنى. وهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان، ولا إلى تكليف استدلال، وهؤلاء هم جمهور الناس من العامة وأئمة الحديث الذين يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين، وهم الذين قال الله فيهم: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } الحجرات/ 7. وهؤلاء ــ كما يقول ابن حزم ــ «خلق الله ــ تعالى ــ الإيمان في قلوبهم ابتداء، وعلى ألسنتهم، ولم يذكر لهم استدلالا أصلا» [1] .
(1) - ابن حزم: الفصل ـ 4/ 30، 31.