فهرس الكتاب
وبعد ذلك يتكلَّم القاضي الباقلاني عن فساد حد العلم عند «القدرية» ، فيذكر من أقوالهم حد العلم بأنه «اعتقاد الشيء على ما هو به» فقط، والقول بأنه «اعتقاد الشيء على ما هو به، على غير وجه الظن والتقليد» ، والقول بأنه «اعتقاد الشيء على ما هو به؛ إذا وقع عن ضرورة أو دليل» . وأظهر ما يدل على فساد هذه الحدود عند الباقلاني أنها تقتضي كون الله ــ تعالى ــ معتقدا على إطلاق أو تقييد؛ لأن العلم صفة تتعلق بالعالم. وهو يعني بذلك ــ فيما أفهم ــ أن حدود القدرية تقتضي أن يكون الله ــ تعالى ــ معتقدا على وجه الإطلاق؛ فيدخلَ في وصفه سائر أنواع الاعتقاد، وهذا فاسد. أو على وجه التقييد الذي يذكرونه في تمييز العلم عن الجهل والتقليد والتبخيت، فيكون ــ عز وجل ــ مضطرا أو مستدلا أو متذكرا .. قال الباقلاني: «ولما أجمعت الأمة على بطلان ذلك؛ بطلت هذه الحدود وفسدت» [1] .
وقد سبق ذكر أن المفيد رام التخلُّصَ من هذا الإلزام فزعم أنه ليس بلازم؛ «لأنه ليس حَدُّ العالم أن يكون له علم، وقد يكون عالم مستغنيا عن معنى يعلم به» . والقاضي الباقلاني يقول: «وليس لهم أن يقولوا: إنما يجب كون العالم معتقدا إن كان ذا علم هو اعتقاد، فإذا لم يكن للقديم علم؛ لم يكن معتقدا. لأننا بينا بما سلف وجوب تعدي حد العلم إلى حد العالم، فصار حده أنه «المعتقد للشيء على ما هو به مطلقا أو على وجه ما» . والحدود يجب طردها وعكسها، وإجراؤها في الشاهد والغائب، وإحالة نقضها؛ فبطل ما قالوه» [2] .
(1) - الباقلاني: التقريب ـ 1/ 179، 180.
(2) - السابق ـ ص 180.