فهرس الكتاب
* وإمام الحرمين الجويني اعترض من جانبه أيضا على حد الأشعري ومن ذكر أنه «ما يصح ممن اتصف به إحكام الفعل» ، وأنه «تَبَيُّنُ المعلوم على ما هو به» ، وما ذكره المعتزلة وأخذ به الشيخ المفيد؛ لأن الغرض من حَدِّ العلم عنده ذكر ما يشتمل على العلم القديم والحادث، ولأن سكون النفس إلى المعتقد يدخل فيه اعتقاد المقلد وهو ليس بعلم. وقد اختار الجويني مُوافقةَ الباقلاني على حد العلم بأنه «معرفة المعلوم على ما هو به» . ووافقه على ذلك معاصراه من الشافعية: أبو سعيد النيسابوري، وأبو إسحاق الشيرازي [1] ؛ لكن الجويني في كتاب «البرهان في أصول الفقه» تراجع عن اختيار هذا الحد واعترض عليه، واختار ترك محاولة كشف حقيقة العلم بالحد، ورأى أن الأولى من كل هذه الحدود المدخولة محاولة معرفة حقيقة العلم بشيء من المُبَاحَثة التي يُقصَد بها تمييز المطلوب مما ليس منه.
قال الجويني: «الجهل عقد يتعلق بالمُعتقَد على خلاف ما هو به، والعلم خالفه في ذلك وتميز عنه. والشك والظن يترددان بين معتقدين، وهو بخلافهما في ذلك. فلا يبقى إلا النظر في عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به من مقلد في ذلك مع التصميم والاستقرار، مع القطع بأنه ليس علما والنظر في العلم الحق وما يتميز به عن عقد المقلد؛ فليجرد الناظر فكره لمحاولة الميز بينهما، فإن استتب له ذلك؛ فقد أحاط بحقيقة العلم. فإن ساعدت عبارة سديدة في الحد؛ حد بها، وإن لم تساعد؛ اكتفى بدرك الحقيقة، ولم يضر تقاعد العبارة؛ فليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم له عبارة عن حَدِّه، ولو فرضنا فَضَّ اللغات ودروس العبارات؛ لاستقلت العقول بدرك المعقولات. وإيضاح ذلك بالمثال أن ذا العقل يدرك حقيقة رائحة المسك ولو رام أن يصوغ عبارة عنها لم يجدها» [2] .
(1) - الجويني: الإرشاد ـ ص 12. وانظر أبا سعيد النيسابوري: الغنية في أصول الدين ـ ص 50. والشيرازي: اللمع في أصول الفقه ـ ص 4.
(2) - الجويني: البرهان ـ 1/ 100.