الصفحة 174 من 1224

* وقد حصر صاحب المواقف المذاهب في بيان حقيقة مطلق العلم في ثلاثة: أولها: أنه ضروري، وهو اختيار فخر الدين محمد بن عمر الرازي (تـ606هـ) . ومما علل به هذا الاختيار أن علم كل واحد بوجوده ضروري حاصل بلا اكتساب ونظر، وهذا علم خاص متعلق بمعلوم خاص هو وجوده، والعلم المطلق جزء منه؛ لأن المطلق ذاتي للمقيد، والعلم بالجزء سابق على العلم بالكل. فإذا حصل العلم الخاص الذي هو كل لكل أحد بالضرورة؛ كان العلم المطلق الذي هو جزؤه سابقا عليه، والسابق على الضروري أولى أن يكون ضروريا.

والمذهب الثاني، وهو اختيار إمام الحرمين الجويني، وأبي حامد الغزالي: أنه نظري لكن يعسر تحديده، وطريق معرفته القسمة والمثال. أما القسمة فبتمييزه عما يلتبس به من الاعتقادات؛ مثل أن يقال: الاعتقاد إما جازم أو غير جازم، والجازم إما مطابق أو غير مطابق، والمطابق إما ثابت أو غير ثابت. فيخرج عن هذه القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت هو العلم بمعنى اليقين، وقد تميز عن الظن بالجزم، وعن الجهل المركب بالمطابقة، وعن تقليد المصيب الجازم بالثابت. وأما المثال فيقال فيه نحو: «العلم إدراك البصيرة المشابه لإدراك البصر» .

والمذهب الثالث: أنه نظري لا يعسر تحديده. وقد ذكر فيه جملة من التعريفات للمعتزلة ولسائر أهل السنة، وأورد عليها الكثير من الاعتراضات، ثم اختار السابع منها، وهو حد العلم بأنه: صفة توجب لمحلها تمييزا بين المعاني لا يحتمل النقيض. وبهذا القيد خرج الظن والشك والوهم؛ لأن متعلق التمييز الحاصل فيها يحتمل النقيض، وكذا خرج الجهل المركب والتقليد [1] .

(1) - راجع شرح المواقف للجرجاني ـ 1/ 61: 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت