الصفحة 176 من 1224

ولأن الأشعرية ومن وافقهم يثبتون العلم الإلهي معنى زائدا قائما بالذات الإلهية؛ فهم يقسمون العلم إلى قديم وحادث، وهذه القسمة لا وجود لها عند الاثنا عشرية والمعتزلة الذين اقتصروا في بيان حقيقة العلم على مفهوم العلم المحدث وقسموه إلي ضروري ومكتسب نظري. وقد وافقهم من أهل السنة أيضا الإمامُ ابن حزم الظاهري؛ لكن على المستوى الشكلي في الاقتصار في حد العلم على مفهوم العلم المحدث فقط، وذلك حيث يقول: «حَدُّ العِلْمِ بالشَّيْءِ، وهو المعرفة به، أن نقول: العلم والمعرفة اسمان واقعان على معنى واحد، وهو اعتقاد الشيء على ما هو عليه، وتيقنه به، وارتفاع الشكوك عنه، ويكون ذلك إما بشهادة الحواس وأول العقل، وإما ببرهان راجع من قرب أو من بعد إلى شهادة الحواس أو أول العقل، وإما باتفاق وقع له في مصادفة اعتقاد الحق خاصة بتصديق ما افترض الله ــ عز وجل ــ عليه اتباعه خاصة دون استدلال» . ولا يعني هذا أنه لا يُثبِتُ لله علما قديما غير العلم المحدث للخلق؛ فهو يثبت لله علما قديما ليس غيرا له؛ لكنه يرى أن علم الله ــ تعالى ــ ليس محدودا أصلا، ولا يجمعه مع علم الخلق حد مشترك. ولا يفوته في هذا المقام أن يغمز الأشعرية في جمعهم بين علم الله ــ تعالى ــ وعلم الخلق تحت حد واحد [1] .

(1) - انظر ابن حزم: الفصل ـ 5/ 68، 69. وراجع حده للعلم أيضا في كتابه في أصول الفقه «الإحكام في أصول الأحكام» ـ 1/ 38، 39 . وهو في هذا الكتاب (ص 40) يعلن صراحة تكفير المتجرئ على وضع حد للعلم الإلهي؛ لأن كل محدود متناه ومركب من ذكر الجنس والفصل المميز له مما جامعه تحت جنسه، وما كان كذلك فهو محدث مخلوق..لكن كل ما قُدِّمَ على أنه حد للعلم لا يدخل في باب الحد التام ولا الناقص وفق المنطق الرسطي، وما قيل أشبه بالتعريفات اللغوية للفظة العلم؛ على أن حكم الحدوث لازم لما هو مركب خارج الذهن بالفعل، أما التركيب الصوري الذهني بين الذات وصفاتها، أو الشيء وخصائصه؛ فلا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت