الصفحة 180 من 1224

وهذه القسمة نفسها عند جمهور أهل السنة من الأشعرية والماتريدية؛ إلا أنهم يقولون فقط في تعريف الضروري: إنه العلم الذي يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج منه، ولا الانفكاك عنه، ولا يتهيأ له الشك في متعلقه ولا الارتياب فيه، على حد عبارة الباقلاني. ويقابله العلم النظري المكتسب الذي يقع بعقب استدلال وتفكر في حال المنظور فيه، أو تذكر نظر فيه. ويقول الباقلاني في معنى أنه كسبي: «ما وجد بالعالم وله عليه قدرة محدثة» [1] . ويقول أبو المعين النسفي الماتريدي: «وإنما الاختلاف بينهما أن الضروري يثبت بدون الاشتغال باكتسابه ...، وما يثبت بالاستدلال اكتسابي» [2] .

وأصل الخلاف في هذا إنما يرجع إلى الخلاف في حقيقة أفعال العباد وفيمن أحدثها، وهل هي محدثة من جانب العباد، أو أنها اكتساب لهم فقط مما سيأتي بيانه في الكلام عن العدل، ولا يرجع شيء منه إلى حقيقة التقسيم.

* لكن في أهل السنة من خالف في حقيقة هذا التقسيم، كالإمام ابن حزم القرطبي الذي رأى أن المعارف وعلوم الخلق جميعا التي عقدوا عليها قلوبهم وتيقنوها، إنما هي قسم واحد .. هي علوم اضطرارية؛ لكن منها ما هو أوَّليٌّ لم يقم على صحته برهان، ومنها ما قام البرهان على صحته والعالم به مضطر إلى علمه ولا مجال للشك فيه عنده، وهذه هي صفة الضرورة، وأما الاختيار فهو الذي إن شاء المرء فعله وإن شاء تركه. وأما ما لم يتيقن المرء صحته في ذاته فليس عالما به ولا له به علم وإنما هو ظان له [3] .

(1) - انظر الباقلاني: التمهيد ـ ص 35، 36. نشرة محمود الخضيري وأبي ريدة.

(2) - أبو المعين النسفي: التمهيد لقواعد التوحيد ـ ص 121.

(3) - انظر النسفي: التمهيد لقواعد التوحيد ـ ص 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت