الصفحة 181 من 1224

وقد يكون عجيبا أن إمام الحرمين الجويني الأشعري ينتهي به المطاف إلى نحو رأي الإمام ابن حزم الظاهري؛ فتراه في كتابه «البرهان» يقرر ما ذهب إليه أصحابه من أن العلوم الحادثة قسمان: الضروري، والنظري العقلي والسمعي. ثم يقول: «والمرتضى المقطوعُ به عندنا أنَّ العلوم كلها ضرورية. والدليل القاطع على ذلك أن من استند نظره وانتهى نهايته، ولم يستعقب النظر ضدا من أضداد العلم بالمنظور فيه؛ فالعلم يحصل لا محالة» [1] . ثم يفصل الكلام عن ذلك فيما بعد بقوله: «وتمام الغرض في ذلك أن المعقولات تنقسم إلى البدائه وهي التي يهجم العقل عليها بغير احتياج إلى تدبر، وإلى ما لا بد فيه من فرط تأمل، فإذا تقرر على سداده؛ أعقب العلم الضروري إن لم يطرأ آفة. ثم ليس في العقليات على الحقيقة انقسام إلى جلي وخفي فإن قصاراها كلها العلم الضروري، ولكن يتطرق إليها نوعان من الفرق: أحدهما: أن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر لبعد القريحة عن معاناة الفكر في أمثاله، ولا شيء ينال طال الفكر فيه أو قصر إلا بتجريد الفكر في جهة الطلب؛ فهذا نوع من الفرق بين النظرين. والنوع الثاني: أن الناظر قد يبغي شيئا نازحا بعيدا يقع بعد عشر رتب مثلا من النظر ويطول الزمان في استيعاب معناها وقد يطرأ على الناظر في الأواخر نسيان الأوساط والأوائل فيتخبط النظر، وقد يكون المطلوب في الرتبة الثالثة مثلا فيقرب المدرك ولا يتوعر المسلك ولا يطرأ من الذهول في ذلك ما يطرأ على من يتعدد عليه رتب النظر ويطول الزمان فيه على الطالب قبل مطلوبه، فهذا هو تفاوت النظر والناظر، وإلا فليس في حقيقة النظر العقلي المفضي إلى العلم تفاوت» [2] .

(1) - الجويني: البرهان ـ 1/ 103.

(2) - السابق ـ ص 121، 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت