فهرس الكتاب
وإنه ليمكننا مع ذلك أن نقرر أن ابن حزم والجويني لا ينكران الفرق بين الضروري والمكتسب في مبدأ كيفية حصولهما في العقل؛ فالضروري يهجم عليه العقل بلا ترتيب استدلال في الظاهر، والنظري يحتاج إلى شيء من التأمل والفكر والطلب الذي يطول أو يقصر بحسب الأحوال وتوفر ما يلزم لصحة النظر؛ لكنهما لمراعاة يقين العالم بعد قيام العلم الحاصل فيه بتمام البرهان الجازم الذي لا يرد عليه ما يزيله، قالا باضطرار ذلك العالم، وعدم قدرته عن الانفكاك عن ذلك العلم بعد حصوله. وما أحسب أن هذا الفهم الخاص لمعنى الاضطرار أو الضرورة يؤثر في حقيقة تقسيم العلم المحدث من حيث كيفية حصوله في العقل قسمين مختلفين هما: الضروري، والمكتسب النظري. وإذا تنبهنا لذلك؛ فلا مشاحة في الاصطلاح.
ح ــ وفيما يتعلق بطرق تحصيل العلم؛ فقد سبقت الإشارة إلى أنها عند أهل السنة ــ على وجه الجملة ــ الحواس والعقل والنقل أو خبر الصادق [1] ؛ لكن إمام الحرمين ــ رحمه الله تعالى ــ له جهد طيب محمود، وإضافة متميزة في جمعه مراتب العلوم من حيث حصولها لدى العاقل من كلام أئمة أصحابه، وحصرها في عشر مراتب، وإن كان ينتقد هذا الترتيب برمته اعتمادا على قوله بأن العلوم جميعا ضرورية:
الأولى: علم الإنسان بنفسه، ويلتحق بذلك علمه بما يجده ضروريا من صفاته كألَمِهِ ولذَّتِه.
والثانية: تحوي العلوم الضرورية، كالعلم باستحالة المستحيلات. وهذا دون الدرجة الأولى من حيث إنه يستند العلم فيه إلى فكر في ذوات المتضادات وتضادها.
والثالثة: تجمع العلوم بالمحسوسات. وهذه الرتبة دون الثانية لأن الحواس عرضة الآفات والتخييلات. وأشار الجويني إلى ما بين أئمة أصحابه من خلاف في تقديم بعض الحواس على بعض، كتقديم السمع والبصر على ما سواهما، ثم تقديم البصر أو السمع. وذكر أن فيهم من قال بأن الحواس جميعا في رتبة واحدة.
(1) - راجع أبا المعين النسفي: تبصرة الأدلة ـ 1/ 15: 21.