فهرس الكتاب
والمرتبة الرابعة: تحوي العلم بصدق المخبرين تواترا، وهذا دون العلم بالمحسوسات لما يتطرق إلى إخبار المخبرين من إمكان التواطؤ وإن كثر الجمع؛ فلا بد من نوع من الفكر .. قال: ولذلك ألحق الكعبي هذا القسم بالنظريات [1] .
والمرتبة الخامسة: العلم بالحرف والصناعات، وهي محطوطة عما تقدم لما فيها من المعاناة والمقاساة وتوقع الغلطات.
والمرتبة السادسة: في العلوم المستندة إلى قرائن الأحوال، كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وغضب الغضبان، وإنما تأخرت هذه المرتبة لتعارض الاحتمالات في محامل الأحوال وخروجها عن الضبط.
والمرتبة السابعة: العلوم الحاصلة بأدلة العقول، وهي متأخرة لا محالة عن الضروريات المذكورة في المراتب السابقة.
والثامنة: العلم بجواز النبوات وابتعاث الرسل، وجواز ورود الشرائع.
والتاسعة: في العلم بالمعجزات إذا وقعت.
والعاشرة: في العلم بوقوع السمعيات الكلية ومستندها الكتاب والسنة والإجماع.
وقد قال بعد ذلك: «ومما خاض فيه الخائضون أنا قدمنا ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل، وهو اختيار شيخنا أبي الحسن الأشعري ــ رحمة الله عليه ــ وقدم القلانسي المعقولات بالأدلة النظرية على المحسوسات من حيث إن العقل مرجع المعقولات ومحلها، ومرجع المحسوسات إلى الحواس وهي عرضة الآفات فهذه جمل من المقالات.
والحق عندنا بعيد نازح عن هذه المسالك وما أرى المُقَسِّمِين بنَوا تقاسيمهم إلا على الرضا والقناعة لعقود ظاهرة لا تبلغ الثلج ومسلك اليقين، ومن أحاط بحقيقة العلم واعتقد العلوم كلَّها ضرورية؛ لم يتخيل فيها تقديما ولا تأخيرا .. نعم الطرق إليها قد يُتَخَيَّل أنَّ فيها ترتيبا في تعرضها للزلل، فأما العلوم في نفسها إذا حصلت على حقيقتها؛ فيستحيل اعتقاد ترتيبها» [2] .
(1) - وكلام الجويني هنا هو الأصل لما سبق ذكر تفصيله من كلام أبي حامد الغزالي عن حكم مخبر الأخبار المتواترة في المستصفى.
(2) - الجويني: البرهان ـ ص 107: 110.