الصفحة 185 من 1224

وإن تمسك المخالفون في القول بوجوب توليد النظر للعلم بوجوب حصوله بعد تمام النظر واستكماله، وأنه لو لم يولد العلم؛ لجاز أن يوجد ولا يولده مع البقاء وسلامة الحال، ولصح أن يقع بعده الجهل والشك بدلا من العلم؛ فإن القاضي ــ رفع الله درجاته ــ يبين أن هذا تمسك بشبهة فاسدة؛ لأنه قد يجب وجود الشيء مع الشيء أو بعده من جهة تضمنه له، لا لكونه مولدا له. وضرب المثال لذلك بوجوب وجود الكون عند وجود الجوهر لتضمنه لوجوده لا لكونه مولدا له، ووجوب وجود العلم بالمدرك عند إدراكه من غير توليد، وإنما لكون الإدراك طريقا له .. قال القاضي: «ومما يدل على فساد هذه الشبهة أنه لو كان الأمر على ما قالوه؛ لوجب أن يكون تذكر النظر مولدا للعلم بما سبق من النظر فيه، من حيث اتفقنا على أنه لا بد من حصول العلم عند تذكر النظر، دون الجهل وغيره من الأجناس. ولما اتفقنا على فساد ذلك؛ سقط ما استدلوا به. وإنما لم يمكنهم أن يقولوا: إن تذكر النظر مولد للعلم. لاتفاقنا على أن تذكره هو العلم به بعد الذهاب عنه، وقد يكون العلم به والذكر له ضرورة من فعل الله ــ تعالى. فلو ولَّدَ العلمَ؛ لكان المتولد عنه من فعله ــ عز وجل. وذلك باطل عندهم. وهذا واضح في أن ما أوجبوا به توليد النظر للعلم باطل لا أصل له» [1] .

(1) - الباقلاني: التقريب ـ ص 211، 212. على أن التذكر هو استدعاء بعض المعارف المخزنة في مركز الذاكرة من قشرة المخ، على ما نعلمه من معطيات العلم الحديث، وسيأتي تفصيل ذلك في ختام مبحث الكلام الإلهي من فصل العدل ـ إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت