فهرس الكتاب
وإذا فرقنا في كلام إمام الحرمين الجويني بين مرحلتين مختلفتين: أولاهما: المُعَبَّر عنها في كتابيه «الإرشاد» ، و «الشامل» . والثانية: المُعَبَّر عنها في كتاب «العقيدة النظامية» ، وفي المباحث الكلامية أو المشتركة من كتاب «البرهان في أصول الفقه» ؛ فسيمكننا أن نُحَدِّدَ ما تَفرَّد به لنُقَرِّر في اطمئنان: أن الرأي المذهبي الغالب على الأشعرية ــ على الأقل في هذا الزمان ــ أنهم يرون أن المعارف والعلوم جميعا من فعل الله ــ تعالى ــ لكن منها ما يفعله بغير سبب من العاقل وهو الضروري، وإن كان بعضها إنما يعلم بشرط وجود إدراكه الحسي من العالم به، كسماع الخبر المتواتر، ومشاهدة الأمارات الدالة على خجل الخجل ووجل الوجل. ومنها ما يفعله ــ تعالى ــ بسبب من العاقل وطلب منه، وهو المكتسب النظري [1] .
وأما المتأخرون؛ فيقضون بأن العلم من الكيفيات غير المقدورة للعباد، وإنما المقدور تحصيله أو استدامته [2] .
الفصل الثاني
أقسام العالم وحقيقة الإنسان
1 ــ بيان الموقف الاثنا عشري:
(1) - راجع الباقلاني: التمهيد ـ ص 36، 37. والبغدادي: أصول الدين ـ ص 15، 16. وقارن ما أثبته هنا بصريح كلام العلامة الحلي في كتابه: «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد» لنصير الدين الطوسي ـ ص 345 حيث قال: «والأشاعرة قالوا: إن الله ـ تعالى ـ أجرى عادته بخلق العلم عقيب النظر، وليس النظر موجبا ولا سببا للعلم، واستدلوا على ذلك بأن العلم الحادث أمر ممكن، والله ـ تعالى ـ قادر على الممكنات فاعل لها على ما يأتي في خلق الأعمال، فيكون العلم من فعله» .
(2) - راجع التفتازاني: شرح المقاصد ـ 1/ 272.