الصفحة 43 من 1224

إن الشيخ المفيد يتكلم هنا عن استعمال العقل في القيام بأداء التكليف الأول من فرائض الله ــ تعالى ــ على عباده المكلفين، وهذا يعني أن العقل ليس مصدر التكليف والإيجاب عنده، وإنما هو أداة تنفيذ التكليف الإلهي الأول، وقد بَيَّنَ المفيد هذا المعنى بصورة لا لبس فيها في كتاب «أوائل المقالات» حينما قَرَّرَ أنَّ العقل لا ينفك عن السمع وأن التكليف لا يصح إلا بالرسل، فقال: «اتفقت الإمامية على أن العقل مُحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفك عن سَمْعٍ يُنَبِّهُ الغافِلَ على كيفية الاستدلال، وأنه لا بُدَّ في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول» . ثم ذكر موافقة أصحاب الحديث والبغداديين من المعتزلة خاصة لهم في القول بوجوب الرسالة في أول التكليف، وأن جمهور المعتزلة بعد ذلك والخوارج والزيدية يخالفونهم في هذا الأمر [1] . وقد أكد المفيد هذا المعنى في موضع آخر في كلامه عن العلم الكسبي [2] .

(1) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 44، 45. وقد أورد «مارتن مكدرموت» هذا النص في المقارنة بين الشيخ المفيد والقاضي عبد الجبار المعتزلي، ثم علق عليه قائلا: «لذلك فإن العقل ـ في رأي الشيخ المفيد ـ لا يمكن أن يكون وسيلة لتحصيل معرفة الله، أو التكليف الأخلاقي، مضافا إلى عدم ضرورته في بلوغ معرفة الله» .. انظر كتابه: نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد ـ ص 103.

وأنا لا أعرف من أين أخذ هذا الكلام الذي يجعل من المفيد وعبد الجبار في هذه المسألة طرفي نقيض، وهما وإن كانا مختلفين بالفعل؛ فالأمر ليس على ما زعمه من التقابل التام؛ فالشيخ المفيد ـ وإن لم يجعل العقل مصدرا للتكليف ـ لم ينف دوره في تحصيل معرفة الله ـ تعالى ـ وإنما أوجب اهتداءه بنور الوحي فحسب.

(2) - راجع المفيد: أوائل المقالات ـ ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت